الموقعفن وثقافة

حين يغير النجم جلده.. كيف أعادت المهرجانات رسم خريطة التعاون الغنائي؟«تقرير»

من تامر حسني إلى عمرو دياب.. كيف أعادت المهرجانات رسم خريطة النجومية؟

«الشارع لا ينتقل… لكنه يُستهلك».. معادلة الجمهور والنجومية في زمن الترند

هبوط محسوب أم تنازل فني؟ ديوهات تكشف قلق النجوم

كتبت – بسنت يوسف

لم تعد الديوهات الغنائية في المشهد الموسيقي العربي مجرد لقاء فني عابر يجمع صوتين في أغنية واحدة، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى أداة استراتيجية لإعادة رسم المواقع داخل خريطة جماهيرية شديدة السيولة. فمع الصعود الكاسح لأغاني المهرجانات والغناء الشعبي، لم يعد من الممكن تجاهل هذا التيار أو التعامل معه باعتباره هامشًا. أمام هذا التحول، اختار عدد من نجوم الصف الأول الاقتراب من هذا العالم، لا بدافع التغيير الجمالي وحده، بل رغبة في الحفاظ على الحضور وسط جمهور جديد لم ينشأ على أسمائهم.
وجاء النهج في اتجاه واحد تقريبًا؛ الفنان الكبير هو من يقترب من الشعبي، بينما نادرًا ما يحدث العكس. فالشعبية لا تصعد، بل تُزار. هذا الواقع كشف عن مفارقة مهمة في صناعة النجومية: الجمهور الشعبي لا ينتقل بولاءه، بل يكتفي بالاستهلاك، بينما جمهور النجوم الكبار أكثر مرونة واستعدادًا لتجريب أصوات وإيقاعات جديدة دون التخلي عن ذائقته الأصلية.
تامر حسني كان من أوائل من التقطوا هذا التحول مبكرًا. نجم البوب الأكثر جماهيرية اختار الدخول إلى عالم المهرجانات بحساب دقيق، محافظًا على لغته الغنائية وهويته، لكنه فتح الباب للإيقاع الشعبي كي يقترب من عالمه. ديوهاته مع مطربي مهرجانات مثل كزبرة لم تُحدث انقلابًا فنيًا، لكنها حققت انتشارًا واسعًا وفتحت له نافذة على شرائح عمرية أصغر. لم يتحول جمهور المهرجانات إلى جمهور تامر، لكنه بدأ يمرّ باسمه، وهذا في منطق السوق مكسب محسوب.

نرشح لك:نوفمبر.. شهر الحـزن على الفنانين ما هي آخر تطورات الحالة الصحية لـ تامر حسني؟

أما محمد منير، فتعامل مع هذا العالم بمنطق مختلف. تجربته لم تكن محاولة لاصطياد تريند، بل أقرب إلى فضول ثقافي وتجريب خارج المنطقة الآمنة. ومع ذلك، كشفت التجربة أن جمهور منير ظل وفيًا لهويته، بينما تعامل جمهور الأغاني الشعبية مع العمل باعتباره استثناءً لا مدخلًا لعالمه. هنا برزت حقيقة واضحة: الهوية الفنية المتماسكة لا تُستعَار، ولا تنتقل بمجرد ديو.
جورج وسوف بدوره خاض هذه التجربة كنوع من المصالحة مع واقع السوق. صوت الطرب الأصيل اصطدم بإيقاعات أسرع ولغة أكثر مباشرة، فحقق حضورًا رقميًا أوسع، لكنه لم يُحدث تغييرًا في خريطته الجماهيرية. الطرب لا يُختصر في تجربة عابرة، ولا يمكن نقله إلى جمهور لم يتكوّن عليه أساسًا.
وعلى الجانب الآخر، يقف محمد رمضان كنموذج معكوس. هو ابن هذا العالم الشعبي، وصعوده جاء من داخله. تعاونه مع نجوم كبار لم يكن بهدف توسيع جمهوره، بل لتكريس حضوره ومنحه شرعية فنية أوسع. هنا لم يحدث انتقال جماهيري، بل تثبيت لمكانة قائمة بالفعل.
وسط هذه التحولات، يظل عمرو دياب حالة منفصلة. الهضبة لم يقترب من عالم المهرجانات، ولم يشعر بالحاجة إلى ذلك. اختار طريقًا آخر يقوم على التعاون مع صناع موسيقى عالميين، مستلهمًا فلسفة الموسيقى العابرة للحدود. هو لا يخاطب طبقة اجتماعية بعينها، بل يراهن على الموسيقى كمنتج عالمي، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول معنى النجومية في زمن متغيّر.
في النهاية، تكشف هذه الظاهرة أن الفنان الكبير هو الطرف الذي يتحرك ويتنازل نسبيًا، لا لأنه أضعف، بل لأنه الأكثر قدرة على المناورة. أما الشعبية، فتبقى ثابتة في مكانها، تنتظر من يزورها. ليست المشكلة في الغناء الشعبي أو المهرجانات، بل في الدافع وراء الاقتراب منها. حين يكون التعاون بحثًا عن تطوير حقيقي، يولد فن. وحين يكون خوفًا من التراجع، يتحول إلى خطوة مؤقتة لا تغيّر قواعد اللعبة. فالنجومية الحقيقية لا تُقاس بعدد المشاهدات، بل بقدرة الفنان على الاستمرار دون أن يفقد نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى