هلال وصليب

هل تتعدد الكفارات في الحج إذا ارتكب المحرم عددًا من محظورات الإحرام؟

كتبت أميرة السمان

أجابت دار الإفتاء المصرية على سؤالا ورد إليها بشأن تعدد الكفارات في الحج إذا ارتكب المحرم عددًا من محظورات الإحرام.

وقالت الإفتاء إن فهناك رجلٌ ارتَكَب عدة محظوراتٍ في الحج وهو مُحرِم، وكَفَّرَ عن أحدها بَعد فِعله ثم كَرَّرَه، وكَرَّرَ محظورًا دون أن يُكَفِّر عن فِعله أوَّل مرة، ويسأل عما يلزمه فِعلُه؟

وتابعت الدار، إذا ارتَكَب المُحرِمُ بالحج محظورًا مِن محظورات الإحرام وكرَّره فتجب عليه فديةٌ واحدةٌ ما لَم يُكَفِّر عن الأوَّل قَبْل فِعل الثاني، أما إذا فَعَل أَحَدَ المحظورات ثم كَفَّرَ عنه، وتكرَّر منه فِعل نفس المحظور بعد الكفارة الأُولى، ففي هذه الحالة يجب عليه الكفارةُ مرةً ثانيةً.

وتابعت، وإذا ارتكب عدة محظورات مختلفة، كما لو قَصَّ شعره، وغَطَّى رأسه، وجامَع زوجته بين التحلُّلَيْن، أو لَبِسَ وتَطَيَّب وحَلَقَ وقَلَّمَ أظفاره، فتجب عليه فدية لكلِّ واحد منها؛ لأنها أجناس مختلفة، فلم تتداخل، وهذا كلُّه بخلاف الصيد، فإن الكفارة فيه تتعدد بتعدُّده، فيكون لكلِّ مرة منه كفارة وإن لَم يُكَفِّر عما قَبْلها.

واتفق الفقهاء على أنَّ للإحرام محظوراتٍ يجب على المُحرِم اجتنابُ فِعلها ما دام مُحْرِمًا، ومِن هذه المحظورات: تغطية الرجل رأسَه، وحَلْق الشعر أو شدُّه مِن أيِّ جزءٍ مِن الجسد، ولا يَقُص الأظافر، ولا يَستخدم الطيب والروائح العطرية، ولا يُخالِط زوجتَه أو يَفعل معها دواعي المخالطة كاللمس والتقبيل بشهوة، ولا يَلبَس المَخِيطَ المُحِيطَ (وهو المُفَصَّل على أيِّ عضوٍ مِن أعضاء الجسم)، ولا يَتعرض لصيد البَرِّ الوَحْشِي ولا لِشَجَرِ الحَرَم، كما يحرم على المرأة تغطية وجهها أو لُبس القُفَّازَيْن. ينظر: “تحفة الفقهاء” للإمام علاء الدين السَّمَرْقَنْدِي الحنفي (1/ 391، ط. دار الكتب العلمية)، و”الذخيرة” للإمام شهاب الدين القَرَافِي المالكي (3/ 301، ط. دار الغرب الإسلامي)، و”التنبيه” للإمام أبي إسحاق الشِّيرَازِي الشافعي (ص: 72، ط. عالم الكتب)، و”عمدة الفقه” للإمام ابن قُدَامَة الحنبلي (ص: 46، ط. المكتبة العصرية).

وإذا ارتَكَب المُحرِمُ محظورًا مِن محظورات الإحرام -غير الصيد- وكَرَّرَهُ قَبْل أنْ يُكَفِّرَ عنه، كما لو جامَع زوجتَه بين التحلُّلَيْن الأول والثاني أكثر مِن مرة، أو لَبِسَ ثم لَبِسَ كأن يَلْبَسَ عمامةً ثم يَلْبَس قميصًا ثم سراويل، أو قَصَّ أظفارَه ثم قَصَّها، أو تَطَيَّبَ ثم تَطَيَّبَ، أو حَلَقَ ثم حَلَقَ، فإنه يجب عليه فديةٌ واحدةٌ، ما لَم يُكَفِّرْ عن الأول قبل فِعل الثاني؛ لأنَّ جنس الفعل مُتَّحِدٌ، فأشبه ما لو طَيَّب رأسَه وبَدَنَه، بخلاف ما إذا ارتَكَب عدة محظورات مختلفة، كما لو قَصَّ شعره، وغَطَّى رأسَه، وجامَع زوجته بين التحلُّلَيْن، أو لَبِسَ وتَطَيَّب وحَلَق وقَلَّمَ أظفارَه، فتجب عليه فديةٌ لكلِّ واحدٍ منها كَفَّارة؛ لأنها أجناسٌ مختلفةٌ، فلَم تتداخل، أما إذا فَعَل أَحَدَ المحظورات ثم كَفَّرَ عنه، وتكرر منه فِعل نفس المحظور بعد الكفارة الأُولى، ففي هذه الحالة يجب عليه التكفير مرةً ثانيةً بلا خلاف؛ لأن فِعل المحظور الأول استَقَرَّ حُكمُه بالتكفير، فإنْ فَعَلَه مرةً ثانيةً استَوْجَب التكفيرَ مرةً ثانيةً، كما لو زَنَا فَحُدَّ ثم زَنَا فإنه يُحَدُّ ثانيًا، ولا فرق في ذلك بين فِعل القليل والكثير، فقليلُ الطِّيب واللُّبس وغيرهما مِن المحظورات وكثيرُه سواء، وأيضًا فإن الكفارة لا تتعلق بالسبب المؤدي إلى فِعل المحظور، بل يتعلق الحكمُ بفِعل المحظور نَفْسه لا بِسَبَبِهِ، وهذا كلُّه بخلاف الصيد، فإن الكفارة فيه تتعدد بتعدُّدِه، فيكون لكلِّ مرةٍ منها كفارةٌ وإن لَم يُكَفِّر عما قَبْلَها، وهذا ما نصَّ عليه جمهور الفقهاء مِن الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.

وتكون الكفارة على التخيير بين ثلاثة أمور: إما ذبح شاة؛ لأنه أقل ما يتحقق به النُّسُك، أو صيام ثلاثة، أو إطعام ستة مساكين؛ لقول الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].

وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإذا ارتَكَب المُحرِمُ بالحج محظورًا مِن محظورات الإحرام وكرَّره فتجب عليه فديةٌ واحدةٌ ما لَم يُكَفِّر عن الأوَّل قَبْل فِعل الثاني، أما إذا فَعَل أَحَدَ المحظورات ثم كَفَّرَ عنه، وتكرَّر منه فِعل نفس المحظور بعد الكفارة الأُولى، ففي هذه الحالة يجب عليه الكفارةُ مرةً ثانيةً، وإذا ارتكب عدة محظورات مختلفة، كما لو قَصَّ شعره، وغَطَّى رأسه، وجامَع زوجته بين التحلُّلَيْن، أو لَبِسَ وتَطَيَّب وحَلَقَ وقَلَّمَ أظفاره، فتجب عليه فدية لكلِّ واحد منها؛ لأنها أجناس مختلفة، فلم تتداخل، وهذا كلُّه بخلاف الصيد، فإن الكفارة فيه تتعدد بتعدُّده، فيكون لكلِّ مرة منه كفارة وإن لَم يُكَفِّر عما قَبْلها، كما سبق بيانه.. والله سبحانه وتعالى أعلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى