أراء ومقالاتالموقع

نزار السيسي يكتب لـ«الموقع» .. الذاكرة

الذاكرة هي المكان الفسيح، أحيانًا نعيش فيها لننعم برحب مداها، وأحيانًا أخرى تصبح أضيق من خرم الإبرة.

‏أسعدنا حظًا هو من سعى جاهدًا إلى تأثيث ذاكرته بصور الأحبة وضحكات الأصدقاء، وتلك الوجوه المبتسمة وأيادي الأطفال وهي تعبث بدهاليز الحياة في ملامحنا .

يخيّل إليّ أحيانًا أن الحياة سفرٌ طويل، وزادنا في هذه الرحلة ذكرياتٌ كنا قد صنعناها مع من أحببناهم لتقِيَنا عوز الليالي المظلمة ..‏أعرف أصدقاء لي منشغلين في هذه الحياة عن أحبتهم، أيامهم كلها عملٌ وانشغال، يكاد يومهم ينقضي من دون أن يصنعوا ذكرى واحدة سعيدة مع أحبتهم!

تخيّل أن يكون والدك أو والدتك قربك من دون أن تغتنم فرصة وجودهما معك، من دون أن تجعل يومك غنيًا بضحكاتهما، ومن دون أن ترتب ذاكرتك بربيع ملامحهما.

‏من دون أن تمسك بيد والدتك لترى تضاريس الحياة مختبئة في تلك الخطوط المباركة فتبتسم ثم تزرع قبلة عليها تبعث فيك الروح من جديد .أو أن تقترب من جبين والدك الأغرّ فتمرر ظاهر كفّك لتتبارك بندى الجبهة الأشمّ ولتعرف حينها أنّك ذو حظٍّ عظيم!

‏ماذا لو كانت زوجتك ترافقك طوال الوقت من دون أن تتشابك أصابعكما بحرارة المتمسكين بالحب حدّ الجنون الأخير، وعند كلّ حضن تتنفّسان معنى السكينة ورحمات الله!…. ماذا لو كان وقتك الماضي كلهُ تفريطٌ في حقّها وحق عائلتك …ألا تظنُّ أن يداهمك الوقت فتُحرم من ذلك إن لم تبادر الآن ..

‏ماذا لو كان أطفالك يحيطون بك من كل جانب وينتظرون عودتك من دون أن يشكل ذلك أي قيمةٍ في حياتك، من دون أن ترى بريق الجنة يشعّ من أعينِهم المشتاقةُ إليك وهم يلوّحون لك فرحًا ليحظوا بعاطفة الأبوة منك!

‏الحياة قطارٌ سريع، العمر فيه محطات .محطة الطفولة، فمحطة المراهقة، فالشباب، فالرجولة…. ثم محطةٌ أخيرة وهي الهرم والشيخوخة وبعضنا تنتهي به الرحلة مبكرًا
لا أحد يعلم في أي محطةٍ سيركب قطاره الأخير!
‏لذلك لا تقضوا العمر بغربةٍ وذاكرةٍ فقيرة، تزودوا بصور أحبتكم وضحكاتهم ولحظات أنسهم، زاحموا مشاغل الحياةِ بذاكرةٍ مليئة بالأحبة وبأوقاتٍ مليئة بالأنس أنت غافلٌ عنها ربما لن تعود أو لربما تظل هكذا في لهاثٍ خلف مشاغلك غافلاً عن وقود روحك وقلبك وعقلك
بادر…فالرحلة طويلةٌ والسفر متعب.

اقرأ ايضا للكاتب

نزار السيسي يكتب لـ«الموقع» السعي للأمان ليس للأشياء

نزار السيسي يكتب لـ«الموقع» القادم أسوأ وأضل سبيلا

نزار السيسي يكتب لـ«الموقع» كرونولوجيا العصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Ad
Ad