أراء ومقالاتالموقع

كريمة أبو العينين تكتب لـ«الموقع» عن غرف نومنا فى الشارع

اذكر عندما كنت طالبة فى كلية الاعلام بجامعة القاهرة ان طلب الدكتور خليل صابات رحمة الله عليه من مجموعتنا المكونة من ست اشخاص عمل بحث عن محتوى الاعلام المرئى لمدة اسبوع وحينها كانت هناك قناتين فقط الاولى والثانية وطلب منا دكتورنا الجليل ان نفند كل ماتعرضه من مسلسلات وافلام واعلان ونشرات كل شىء يبث على القناتين ، وكانت مهمة شاقة للغاية فهى تقتضى من كل واحد منا ان يختار وقتا يتابع فيه مايعرض ويجمعه ثم يدرسه ويبلوره ونلتقى كلنا بعدها كفريق عمل ونتباحث ونتناقش قبل ان ننتهى ببحث جماعى يناقشه استاذنا الجليل معنا ، وهذه المهمة كانت تتطلب ايضا ان ننسق مواعيد حضورنا فى الكلية بحيث ان يكون هناك حاضر فى الوقت الذى يمكث فيه الاخر فى المنزل لمتابعة المحتوى الاعلامى محل البحث والدراسة .

وبعد اسبوع مضنى ومرهق وتأفف من بعضنا انتهينا من هذه المهمة التى ستكتمل بتقديمها الى دكتورنا العظيم . اعترف بأنى كنت على ثقة بأن بحثنا سينال اعجاب دكتور خليل لاننى كنت قد ايقنت جانبا من طريقة تفكيره وهو تعرية الواقع الزائف واظهار نواقصه والبحث عما يستره وربما تجميله اذا امكن .

بعد ان انتهينا من النقاش والجدال والمجادلة وكعادته الهادئة فى كل شىء قال : اذن فاعلامنا فى هذه المرحلة هو اعلام غرف نوم فى الشارع ؟

وقع الجملة علينا كان صادما ولم نرد واكتفينا بفتح افواهنا وابداء علامات الاندهاش والاستغراب والقلق وربما الخجل مما تحمله العبارة من دلالات تحتاج لتوضيح وتقسير. جلس استاذنا العظيم ووضع قدما على اخرى وقال: انسوا انكم مصريون وكونوا اخرين عرب ، اجانب ، هنود ، ليس مهما سوى انكم عيشوا معى فترة مشاهدة هذه المسلسلات والافلام والاعلانات والبرامج والنشرات..

ثم تراجع قليلا وقال سنتثنى البرامج والنشرات ونؤجلهما لبحث اخر ، انتم الان اخرون غير مصريون وتشاهدون هذا المحتوى ؛ ماهو اول انطباع سيأتى اليكم ؟ وطلب منا واحدا تلو الاخر ان يدلى بدلوه وجاءت الاجابات كلها تصب فى مفهوم واحد ان مايعرض يؤكد ان هذه الدولة لايعيش فيها الا المرتشون والافاقين والهليبة والداعرات والخائنات والمتسولين وبائعى المناديل والغشاشين ، والشرفاء قلة مضطهدة ومغلوب على امرها والماسك منهم على مبادئه كالقابض على الجمر .

ثم باغتنا وقال والاعلانات اجبناه بأنها تعتمد على الجذب الجسدى وليس المضمون المجرد ، رد قائلا اذن فالذى يعرض اعلام بالنون وليس بالميم ، واستطرد قائلا عندما تطغى النون على الميم فقل على المجتمع السلام وحينما تصبح غرف نومنا فى الشارع فلايحق لنا ان ننهر من يشاهدنا ويطلع على عوراتنا !! عندما يمعن اصحاب شركات الانتاج على تعميم الممنوع وتصويره وتصديره للمشاهد على انه مرغوب وواقع فعلى فساعتها لايجب ان نخفى وجوهنا بطرف ملابسنا ونترك اجسادنا كلها مكشوفة للمارة اجمعين .

ابنائى اعلام غرف النوم المنصوبة فى الشوارع ليس الا خطة لجر هذا البلد وهؤلاء المواطنين الى مصير مجهول يقوم به اعداء من الخارج وكثيرين من الداخل وهم اخطر واكثر ضررا. سنوات مرت كثيرة وانا لاأنسى حديث الدكتور صابات وافند ماذكره على كل ماأراه واسمعه ويتأكد لى انه كان مخطئا عندمل وصفه باعلام غرف النوم المنصوبة فى الشوارع فهو قد اختار من الوصف ايسره واقله ضررا لان الواقع يقول انه اعلام زلزلة ثوابت المجتمع وخلق روح الكراهية والانتقام بين جموعه فقد اصبح مايعرض يقول جملة واحدة السرقة والغش والخداع اسرع طريق لكل ماهو ثرى وفخيم ومريح…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Ad
Ad