أراء ومقالاتالموقع

علاء حيدر يكتب لـ«الموقع» مصر و أمريكا يراهنان على القطار لكسب سباق التنمية

من ينتقدون إهتمام الحكومة المصرية بسبب تسليح نفسها بشبكة سكك حديدية فائقة التطور، و فائقة السرعة ، للمساهمة في تحقيق التنمية الإقتصادية ، سيجدوا أنفسهم مجبرين على مراجعة مواقفهم ، عندما يعلمون ، أن الولايات المتحدة الأمريكية ، إتخذت موقفا مماثلا ، بتخصيص ما يقرب من 70 مليار دولار كمرحلة أولى ، لتطوير سككها الحديدية القديمة ، بما فيها تدشين أول قطار فائق السرعة بحلول العام 2028 ، بهدف اللحاق بالعملاق الصيني، الذي أصبح يمتلك أكبر ، و أحدث ، و أسرع، شبكة قطارات في العالم في مجالي نقل الركاب و البضائع .

فمثلما كانت السكك الحديدية بمختلف أنواعها ، من ترام ، و مترو ، و قطارات، من أسباب خروج مصر من العصور الوسطى ، إلى العصر الحديث ، منذ نحو 150 عاما ، بالتخلي عن “السوارس ” ، التي كان يجرها البغال و الحمير، إلى المركبات التي تسير بالكهرباء ، فإن السكك الحديدية كان لها دورا كبيرا أيضا في تعمير الولايات المتحدة ، و إكتشاف أراضيها ، و إستغلال ثرواتها ، و توحيد أراضيها بربط ولاياتها ببعضها البعض ، لا سيما تعمير الغرب الأمريكي ذي الصحاري الشاسعة ، الأمر الذي ساهم في النهضة الصناعية ، و الزراعية ،و الإقتصادية ، و التكنولوجية ، التي حولت أمريكا بمرور الوقت للقوة العظمى الأولى في العالم .

و قبل التطرق لتفاصيل إهتمام أمريكا ، بتطوير سككها الحديدية، التي شاخت بعد إهمال دام نحو 100 عام مثلما إعترف مؤخرا بذلك الرئيس الأمريكي جو بايدن ، علينا أولا أن نتطرق لأسباب إهتمام مصر بتطوير سككها الحديدية، التي تدهورت هي الأخرى بسبب عوامل الزمن و الإهمال ، بالرغم من أن مصر كانت ثاني دولة في العالم ، تسلح نفسها بخطوط سكك حديدية، بعد بريطانيا .

و نظرا لإدراكها لإهمية السكك الحديدية ، كواحدة من أهم مكونات البنية التحتية للدول المتقدمة ، حرصت مصر أن تستقي تجربتها التنموية من الدول الأسيوية ، التي أتخذت من تطوير بنيتها التحتية ، من طرق ، و موانيء ، و مطارات، و سكك حديدية، سبيلا للوصول للهدف المأمول، و هو التصنيع سواء كان تصنيعا زراعيا أو صناعيا أو تكنولوجيا أو لوجييستييا . فعلى سبيل المثال ، دولة صغيرة مثل سنغافورة ، تمكنت بفضل تطوير، ميناء “تشانجي” من تحويل سنغافورة من دولة فقيرة ، إلى واحدة من أكثر دول العالم ثراء ، بعد تسليح هذا الميناء ببنية تحتية قوية ، من طرق ، و كباري ، و سكك حديدية فائقة التطور ، جعلت هذا الميناء ، أفضل ميناء في العالم تخدمه نحو 6800 رحلة جوية أسبوعيا ، من و إلى 330 مدينة حول العالم .

فمصر ، تمتلك أربعة عناصر رئيسية ، قادرة على تغيير وجهها للاحسن ، و تصل بها لما حققته النمور الأسيوية من تقدم ، عندما يتم الإنتهاء من تدعيمها ببنية تحتية قوية كما يحدث الآن . و العناصر الأربعة هي التاريخ ، ثم الموقع الجغرافي العبقري، و المناخ المعتدل طوال العام ، وأخيرا الثقل الديمغرافي .

و لم تجد الحكومة المصرية ، أفضل من إنشاء شبكة سكك حديدية متطورة ، لنقل الركاب و البضائع لإستغلال مميزات مصر الأربعة . فمصر بما تمتلكه من تاريخ ، و مزارات سياحية ، تتنوع ما بين آثار فرعونية ، و بطلمية ، و رومانية ، و قبطية ، و إسلامية ، و حديثة تعود للحرب العالمية الثانية ، فضلا عن شواطيء ساحرة صيفية على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، و سواحل دافئة في الشتاء على سواحل البحر الأحمر ، تستطيع بمرور الوقت ، بمساهمة بنية تحتية قوية ، من طرق و مطارات فضلا عن شبكة سكك حديدية متطورة ، من رفع عدد سائحيها من 14 مليون سائحا حاليا ، إلى أكثر من 50 مليون سائح .

و لا أدل على أهمية البنية التحتية القوية ، من وقوع إختيار الملياردير الأمريكي ، أكور جين ، على مصر لعقد قرانه ، على عارضة الأزياء الشهيرة، أريكا هاموند، و بالتحديد في أحضان الإهرامات ،أهم أثر سياحي في العالم ، و ذلك بحضور مجموعة كبيرة من مليارديرات و مليونيرات العالم ، انفقوا خلال ثلاثة أيام ، ملايين الدولارات أثناء هذا الزواج الأسطوري الذي جذب إنتباه العالم أجمع . و كان الأمن و الآمان اللذان تتمتع بهما مصر ، إلى جانب بنيتها التحتية الحديثة من أسباب وقوع إختيار الملياردير الأمريكي على الإهرامات . فلو تابعنا زيارة الملياردير الأمريكي إلى مصر منذ وصوله ، سنجد أنه هبط برفقة عروسه على متن طائرته الخاصة في مطار سفنكس الجديد ، الذي يبعد كيلومترات قليلة عن الأهرامات ، ليسير بعد ذلك على طريق مصر إسكندرية الصحراوي الحريري ، الآمن المكون من ثماني حارات في، كل إتجاه ، ليصل الى الإهرامات ، بعد أن تم تطوير المنطقة و تحديثها و تطهيرها من العشوائيات .

فالسكك الحديدية المصرية الحديثة ، صممت وفقا لدراسة جدوى فائقة الدقة، بحيث تنقل السائحين من العين السخنة و الصعيد حيث الجو الدافيء في الشتاء، إلى الأسكندرية و العلمين حيث الجو المنعش في الصيف . كما تم تصميم الشبكة الحديثة بقطار فائقة السرعة ، لربط المناطق السياحية بعضها ببعض ، و توصيل السائحين للمقاصد السياحية في أوقات قياسية ، دون الحاجة للتنقل بالطائرات .كما حرصت مصر على أن يتم إستخدام سككها الحديدية الجديدة في خدمة التصنيع و التصدير ، بحيث تم تصميم هذه السكك الحديدية لنقل البضائع ، و ربط الموانيء و المطارات المصرية بعضها ببعض ، لتسهيل إقامة المناطق الصناعية ، و المناطق اللوجيستية ، و تصدير منتجاتها للخارج، إستغلالا للموقع الجغرافي المميز لمصر، و الأيدي العاملة المتوافرة لشعب شاب، 60 في المائة من سكانه، تحت ال 20 عاما و هو ما تفتقره كثير من الدول الصناعية الكبرى فتضطر لإستيراد العمالة من الخارج .

و لم تكتف السكك الحديدية المصرية بالقيام بدورها الإقتصادي ، و التجاري، فحسب، بل تخطت ذلك للعب دورا مهما في تعزيز الأمن القومي المصري، فللمرة الأولى منذ نحو 60 عاما ، يعود القطار المصري إلى سيناء، ليساهم في تعميرها ، و نقل الكثافات السكانية ، من الوادي و الدلتا ، إلى شبه جزيرة سيناء، فضلا عن العمل على إستغلال الثروات المعدنية التي تزخر بها أرض الفيروز .

و من جانبها، إنتهجت الولايات المتحدة ، هي الأخرى ، نفس السياسة بتجديد شباب سككها الحديدية التي شاخت ، و لم يتم تحديثها بشكل يتواكب مع ما حققته الصين ، المنافس الإقتصادي و التجاري الأقوى لامريكا ، من بنية تحتية هائلة ، على رأسها سكك حديدية فائقة السرعة، و أخرى لنقل البضائع و المنتجات ، الأمر الذي ساهم بقوة في تدفق الإستثمارات العالمية على الصين ، لتتحول الصين ، بمرور الوقت ، لمصنع العالم ، لتزيح أمريكا عن عرش أكبر مصدر للصناعات في العالم .

و جاءت تصريحات، الرئيس الأمريكي، جو بايدن ، لتكون الاكثر تعبيرا عن النتائج الكارثية التي تكبدتها الولايات المتحدة بسبب إهمال تحديث سككها الحديدية و بنيتها التحتية . يقول الرئيس ، جو بايدن، و الأسى يكسو ملامح وجهه ” لقد ساهمت السكك الحديدية ، منذ أكثر من 100 عام ، في جعل الولايات المتحدة القوة الإقتصادية الأولى دوليا ، و قوة الأبتكار الأكثر تطورا في العالم ، كما نجحت في توحيد الأراضي الأمريكية، و ربط بعضها ببعض ، لكن للأسف الشديد ، و بمرور الوقت ، أهملنا سككنا الحديدية التي تراجعت بشكل كبير في لعب دورها الذي، لعبته في السابق كقاطرة نهوض بالإقتصاد الأمريكي ” .

و أضاف بايدن ، في مدينة لاس فيجاس، بولاية نيفادا ، و هو يعلن عن توقيع عقد إنشاء أول قطار فائق السرعة، يربط بين مدينتي لاس فيجاس و لوس انجلوس ، بتكنولوجيا شركة الستوم الفرنسية ، ” أعدكم بتحديث سككنا الحديدية التي شاخت وأصبحت كهيكل عظمي” .

و أضاف بايدن أن ال 70 مليار دولار التي تم تخصيصها لتحديث شبكة السكك الحديدية الأمريكية ، ليست إلا بداية ، في إطار خوض سباق التقدم في القرن الحادي والعشرين .و أعرب بايدن عن أسفه بشأن تأخر الولايات المتحدة عن الصين في مجال تطوير السكك الحديدية ، مشيرا إلى أنه في الوقت الذي يسير فيه أسرع قطار في أمريكا على سرعة 120 كيلو متر ، إقتربت القطارات الصينية فائقة السرعة من تجاوز حاجز ال 400 كيلو متر.

و كشف بايدن عن الفائدة البيئية للقطار فائق السرعة ، حيث سيجعل الأمريكيون يستغنون عن إستخدام 3 ملايين سيارة ، على الطريق السريع، بين أثنتين من أهم المدن الامريكية بما تسببه من تدمير للبيئة بسبب أنبعاث مخلفات المحروقات ، فضلا عن أنه سيكون مفيدا لناحية خلق الوظائف “ذات الأجور الجيدة ” .

و أستطرد بايدن قائلا ” نحن نتحدث عن مشروع القطار فائق السرعة منذ عقود ، و الآن أعدكم بأننا سننجزه حقا في إطار تطوير البنية التحتية الأمريكية ” .

و إختتم بايدن تصريحاته بالقول ” إننا نخوض منافسة أقتصادية شرسة ، في القرن الحادي و العشرين ، فكيف لنا أن نكون أفضل إقتصاد ، من دون أن نمتلك أفضل بنية تحتية في العالم ؟ مضيفا ” هذا ما سنفعله “.

و إذا كان هدف الولايات المتحدة ، من تطوير سككها الحديدية ، يعود لأسباب إقتصادية ، فإن إستراتيجية مصر لا تقتصر فقط على المجال الإقتصادي و إستغلال مئات من الموارد الطبيعية لسيناء ، لكن تتسع لتشمل الحفاظ على الأمن القومي المصري . فعودة القطار المصري لسيناء بعد غياب دام ما يقرب من 60 عاما ، سيلعب دورا مهما في إستراتيجية تعمير سيناء ، و توطين ملايين المصريين في أرض الفيروز ، بعد إن إختنق الوادي و الدلتا بكثافة سكانية تزيد عن 125 مليون نسمة بما فيهم اللاجئين .

فالرئيس عبد الفتاح السيسي بما يمتلكه من خلفية إستخباراتية ، أدرك أن نجاح إسرائيل في إحتلال سيناء مرتين من قبل خلال حربي 1956 و 1967 يعود لإفتقار سيناء للكثافات السكانية . ففي حرب 1956 ، المعروفة بأسم العدوان الثلاثي ، لم تتمكن إنجلترا و فرنسا من البقاء في منطقة السويس سوى أقل من شهر و نصف، من 5 نوفمبر إلى 23 ديسمبر 1956 ، بسبب المقاومة الشعبية المتواجدة بكثافة في منطقة القناة ، في حين تأخرت إسرائيل عن الإنسحاب من سيناء إلى مارس 1957 ، بسبب ندرة المقاومة لغياب الكثافات السكانية ، بعد أن إضطر الجيش للأنسحاب من سيناء لتأمين قناة السويس و القاهرة . و ما حدث في حرب 1956 تكرر في حرب 1967 فقد كانت الكثافة السكانية الضعيفة في سيناء من أسباب نجاح إسرائيل في سهولة إحتلال سيناء و البقاء فيها لمدة 6 سنوات ، من 5 يونيو 1967 ، الى 6 أكتوبر 1973 ، عندما تمكنت القوات المسلحة المصرية ، من إنزال هزيمة مدوية بإسرائيل ، توجت بكامل تحرير سيناء، لكن أرض الفيروز ظلت مع ذلك شبه خالية إلا من آلاف معدودة من أبناء سيناء لغياب البنية التحتية و موارد الرزق .

و نهاية من يعتقدون أن التصنيع ، و التنمية الإقتصادية، يمكن أن يتحققا بدون بنية تحتية قوية ، عليهم مراجعة تصريحات الرئيس الامريكي، جو بايدن، الذي برر نهضة الصين بإمتلاكها سكك حديدية أكثر تطورا ، لتتراجع أمريكا تجاريا للمركز الثاني ، بصادرات قيمتها 1ر2 ترليون دولار، فيما تربعت الصين بفضل بنيتها التحتية القوية على عرش القوى الأعظم صناعيا في العالم ، بصادرات بلغت 6ر3 ترليون دولار .

اقرأ ايضا للكاتب

علاء حيدر يكتب لـ«الموقع» روسيا تتهم أوكرانيا رسميا و تتهم إسرائيل و أمريكا سرا

علاء حيدر يكتب لـ«الموقع» أمريكا تضحي بـ«نتنياهو» من أجل «الغاز الغزاوي»

علاء حيدر يكتب لـ«الموقع» ثروات غزة من الغاز ليست السبب الوحيد لحرب الإبادة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى