أراء ومقالاتالموقع

علاء حيدر يكتب لـ«الموقع»أفارقة أمريكا و الصمت حيال مجازر غزة

بررت دولة جنوب إفريقيا ، لجوئها لمحكمة العدل الدولية ضد إسرائيل ، برفضها لعمليات الإبادة الجماعية ، و المجازر الوحشية ، و إنتهاكات حقوق الانسان ، التي يرتكبها الإحتلال الاسرائيلي بحق الشعب الفلسطينين في قطاع غزة .

و أرجعت حكومة جنوب إفريقيا تحركها ضد إسرائيل ، الى تعاطف شعبها مع الشعب الفلسطيي ، من منطلق تشابه معاناة الشعب الفلسطيني ، مع ما كابده شعب طجنوب إفريقيا ، من ظلم، و قهر، و قتل ، طوال حقبة حكم الفصل العنصري للأقلية البيضاء في هذه الدولة الإفريقية الكبرى .

و لذلك ينتاب الكثيرون عبر العالم دهشة كبيرة ، حيال تباين موقف شعب جنوب إفريقيا المناهض لجرائم الحرب في غزة ، وبين صمت الأمريكيين من أصول إفريقية ، في مواجهة عمليات الإبادة الجماعية و المجازر التي ترتكبها الدولة العبرية ضد المدنيين الفلسطينيين في غزة .

و ترجع دهشة العالم حيال صمت الأمريكيين الزنوج ، إلى أن الأمريكيين من أصول إفريقية كان من المفترض أن يكونوا على رأس المعارضين للحرب على غزة ، نظرا للظلم الذي كان قد تعرضوا له سواء خلال حقبة العبودية ، أو تحت وطأة سنوات طويلة من التمييز العنصري في الولايات المتحدة .

فلو إستعرضنا تاريخ معاناة الأمريكيين من أصحاب البشرة السوداء ، سنجد أن معانانهم أستمرت لقرون ، بدأت مع إكتشاف الأمريكتين في القرن السادس عشر و أستمرت الى القرن التاسع عشر ، عندما كان تجار العبيد ، و كثيرا منهم من اليهود ، يصطادون الإفارقة كما يتم إصطياد الحيوانات ، ليقتادوهم الى الولايات المتحدة على وجه الخصوص، في قوارب بدائية ، بعد أن يقوموا بتقييد رقابهم ، و أيديهم ، و أرجلهم، بالسلاسل الحديدية ، بهدف إستغلالهم في تعمير الأراضي الأمريكية المكتشفة ، لا سيما في الأعمال الشاقة التي تتطلب قوة بدنية .

و لا يزال سجن العبيد بجزيرة ط”جوريه” السنغالية ، الواقعة أمام شواطيء داكار عاصمة السنغال ، خير شاهد على قدر ما تعرض له الأفارقة من معاناة ، من منطلق أن جزيرة جوريه، الواقعة في مياه المحيط الاطلنطي، كانت المحطة الأخيرة ، في مسيرة اصطياد العبيد الإفارقة و ترحيلهم من القارة الإفريقية الى الولايات المتحدة . و قد شهدت عملية تهجير العبيد خلال عبور الاطلنطي وفاة مئات الآلاف من العبيد الأفارقة بسبب ظروف السفر السيئة ، حيث أعتاد تجار العبيد على إلقاء جثث الموتى في مياه الاطلنطي ، لتكون وجبة شهية لأسماك القرش . و لم تقتصر معاناة الأمريكيين الإفارقة على رحلة العذاب الي الولايات المتحدة ، بل تواصلت المعاناة طوال فترة التمييز العنصري الذي كان يحظر على الزنوج دخول مدارس البيض ، أو ارتياد الشواطيء ، أو المطاعم، أو الفنادق التي يتردد عليها أصحاب البشرة البيضاء . و لم تقل معدلات معاناة الامريكيين الافارقة من التمييز العنصري الا في منتصف ستينات القرن الماضي ، بفضل جهود زعماء الحقوق المدنية من الزنوج ، و على رأسهم مارتن لوثر كينج .

و مع التغير الديمغرافي الذي أعترى التركيبة السكانية في الولايات المتحدة ، الأمر الذي رفع معدلات الأقليات من الزنوج ، و المهاجرين من دول أمريكا اللاتينية، و العرب ، و المسلمين ،الى نسبة تصل الى 45 في المائة من المجتمع الأمريكي، و مع توقع تحول الامريكيون البيض إلى أقلية في الولايات المتحدة بحلول العام 2050 ، لجأ اللوبي الإسرائيلي اليهودي الى حيلة ماكرة بالحصول على ولاء القيادات السوداء بمنحهم أعلى المناصب للحصول على ولائهم ، لا سيما في مجال السياسة الخارجية، و قيادة الجيش الأمريكي ، و ذلك للحيلولة دون وقوف الزنوج الأمريكيين بجانب حقوق الشعوب التي تتعرض للظلم و لا يزال الجميع يتذكر موقف الملاكم الشهير محمد علي كلاي ، الرافض للحرب الأمريكية المدمرة على فييتام في ستيتات القرن الماضي بوصفه أمريكي من أصول إفريقية تعرض هو و أجداده للعنصرية .

و تعد كوندوليزا رايس ، من أشهر القيادات الأمريكية السوداء التي إستخدمت في تحقيق مصالح اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة . فكوندوليزا رايس التي أطلق عليها لقب مهندسة ما عرف ب “الشرق الأوسط الجديد ” و “الفوضى الخلاقة ” تم إستخدام مهام منصبها ، في تدمير دول العربية كبرى إلى دويلات متحاربة ، على أسس دينية ، و عرقية، و مذهبية . وكانت كوندوليزا رايس قد تولت منصب مستشار الرئيس الامريكي للأمن القومي في الفترة من 2001 الى 2005 ، ثم أسند اليها منصب وزيرة الخارجية من 2005 الى 2009 . قد نجحت الصهيونية العالمية خلال تولي كوندوليزا رايس لهذين المنصبين المهمين في تدمير دول عربية كبرى على رأسها العراق التي تم تقسيمه، و لو بشكل غير رسمي ، لدولة شيعية ، و أخرى سنية ، و ثالثة كردية .

كما كان السودان على رأس ضحايا الشرق الأوسط الجديد فإنفصل جنوبه المسيحي الغني بالثروات البترولية ، عن شماله المسلم و المخطط الذي يسير حاليا بسرعة فائقة يشمل فصل إقليمي دارفور و كردوفان عن السودان .

كما طال مخطط التدمير دولة اليمين التي عادت من جديد ، الى يمن شمالي، و يمن جنوبي. و لم تنجو ليبيا م هذه المؤامرة لتصبح ليبيتان ، و لو بشكل غير رسمي، الاولى في بني غازي ، و الثانية في طرابلس . و ناهيك عن سوريا التي أصبحت مرتعا للقوى الكبرى و للقوى الإقليمية على حد سواء . فكل طرف من هذه القوى أصبح يعطي لنفسه الحق في إما أن يقتطع جزء من أراضي سوريا ،إما أن يقيم فيها قاعدة عسكرية ، و على رأس هذه القوى إسرائيل التي ضمت بشكل رسمي مرتفات الجولان السورية .

و في مجال إتخاذ قرارات شن الحروب ، خضعت قيادات الجيش الأمريكي من أصول إفريقية لنفس السياسة ، لا سيما عندما تكون هناك حاجة ملحة لتدمير دولة بعينها . فقد أكد التاريخ الذي لا يكذب و لا يتجمل، أن الجنرال كولين باول ذو البشرة السوداء ، تولى منصب رئيس هيئة الأركان الإمريكية المشتركة، خلال حرب الخليج الثانية ، التي أندلعت في 2 أغسطس 1990 و أنتهت في 28 فبراير 1991. و يعد كولين باول أول أمريكي من أصول إفريقية يتولى منصب رئيس الجيوش الأمريكية .كما شغل كولين باول منصب وزير خارجية أمريكا في الفترة من 2001 الى 2005 ليشكل هو و رايس تحت قيادة الرئيس جورج بوش الفريق الذي دمر العراق ، و نفذ مؤامرة الشرق الاوسط الجديد والفوضى الخلاقة .

و لايمكن هنا أن نغفل أن باراك حسين، أوباما إبن المهاجر الإفريقي المسلم من كينيا ، و الذي تولى رئاسة أمريكا لفترتين رئاسيتين متتاليتين يعد أكثر رؤساء أمريكا خوضا للحروب على الدول العربية و الإسلامية . فقد شن أوباما في فترتي رئاسته من 2009 الى 2017 مئات العمليات العسكرية على 7 دول جميعها عربية و اسلامية، بزعم مكافحة الارهاب و هي العراق ، و سوريا، و اليمن ، و باكستان ، و أفغانستان، و الصومال ، و ليبيا .

و أخيرا و ليس آخرا ، يكفي ان نعلم أن من فتح مخازن السلاح الامريكية لإسرائيل بالمجان ، لتسهيل المجازر الإسرائيلية على المدنيين في غزة ، من دون حتى الحصول على موافقة للكونجرس الأمريكي ، هو وزير الدفاع الزنجي لويد أوستن . كما أن أوستن هو الذي أمر بحشد الجيوش الأمريكية ، و حاملات الطائرات ، في المنطقة لدعم إسرائيل عقب هجمات طوفان الأقصى في 7 أكتوبر الماضي .

و كان أوستن قد هرع الى إسرائيل لدعمها على أرض الواقع بعد طوفان الاقصى ، رغم مرضه بسرطان البروستاتا، لكن يبدو أن أمن الإحتلال الاسرائيلي كان أهم لديه من صحته الشخصية .

و لا يمكن هنا أيضا ، أنا نغفل أن مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة ، و التي لم تتوقف عن إستخدام سلاح الفيتو الامريكي لمنع صدور أي قرار من مجلس الامن يوقف حرب الابادة الوحشية الاسرائيلية ضد المدنيين من نساء و أطفال و شيوخ ، ليست إلا الأمريكية من أصول إفريقية، ليندا توماس جرينفيلد .

كما أن نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس ، سمراء البشرة ، و المتزوجة من المحامي اليهودي دوج ايمهوف ، و المشهورة بدفاعها عن حقوق السود في أمريكا ، تعد من أكثر المؤيدين لحرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد المدنيين في غزة ، و هي الحرب التي أسفرت حتى الآن عن إستشهاد أكثر من ٣٠ ألف فلسطيني ، معظمهم من النساء و الأطفال ، فضلا عن إصابة عشرات الآلاف من الفلسطينيين .

و لذلك، فأنا لست مندهشا على الإطلاق من غياب الامريكيين من ذوي الأصول الإفريقية عن المشهد الرافض لحرب الإبادة الإسرائيلية في الولايات المتحدة ، طالما من يصدر قرار تزويد الاسرائيليين بالسلاح هو صاحب بشرة سوداء و من تؤمن حرب الابادة الاسرائيلية في مجلس الامن هي أيضا من أصول إفريقية .

اقرأ ايضا للكاتب

علاء حيدر يكتب لـ«الموقع» العدوان الثلاثي وتعمير سيناء

علاء حيدر بكتب لـ«الموقع» المسلمون الروس و الحرب الأوكرانية

علاء حيدر يكتب لـ«الموقع» تحذير مصري لإثيوبيا من خلال الصومال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى