الموقعتحقيقات وتقارير

دار أيتام وصدفة وقصة حب.. رحلة كفاح ” الأستاذ عفيفي” من الشارع للجامعة

من طفل ينام في الشارع لموظف حاصل على بكالوريوس وأب لابنتين

الشاب: كافحت بكل طاقتي لأثبت أن أطفال الملاجيء ضحايا ومظلومين

كتبت- منار إبراهيم

إذا نظرت إلى عينيه الباسلة، ملامحه المليئة بالحزن، وقلبه القوي، ستجد قصة كفاح طفل تربي في أحضان دور الأيتام، ثم مراهق ملقي على أرصفة الشوارع، لشاب طّموح حاصل على بكالوريوس تجارة، لموظف حكومي وأب يعول أسرة مكونه من بنتين.

أنه عفيفي مصطفى، 29 عاما، يروي قصة حياته لـ موقع “الموقع” قائلاً: منذ أن فتحت عيني على الدنيا وجدت نفسي في دار “أهالينا” للأيتام، وعندما ذهبت للمدرسة كنت أرى زملائي برفقة أباءهم وأمهاتهم وانا ليس لدي أب وأم كنت أشعر بحزن شديد يبكي قلبي.

وتابع في يوم ذهبت لأحد مسئولي الدار لسؤالهم عن أبي وأمي قالوا ماتوا في حادث، والشرطة أتت بك إلى هنا، تأقلمت مع الأمر الواقع وعندما كنت استخرج أوراق الجيش اكتشفت أني مجهول النسب وكانت صدمة حياتي التي جعلتني افتقد الصورة الجميلة التي رسمتها لوالدي في خيالي.

وبصوت يغمره الحزن يقول: خلال طفولتي ترددت على ثمانية دار أيتام، عمري ما حسيت شعور الأب أو الأم، لأنه لا يوجد أب ممكن أن يصحي أبنه من النوم بسلك الكهرباء، على قدر ما أني أحمل لهم الجميل لتربيتي وتعليمي، لكني ذقت جميع أنواع القسوة.
ويضيف رغم ذلك كان كل ذلك هين حتى أممت 18 عاما، لأجد نفسي في الشارع بعد أن بلغت السن القانوني يتم خروجي من الدار، وإعطائي مبلغ 39 ألف جنية كمعونة لبداية الحياة الجديدة، وتساءل متعجبًا كيف القانون يسمح للطفل اليتيم أن يُلقى في الشارع، ومعه هذا المبلغ الذي رغم بساطته يجعله فريسة بين أيدي من لا يرحمون؟!.

ويكمل أن هذا الإهمال يعود للمسئولين على دور الأيتام، لأن القانون يقول إن الطفل اليتيم أو المتواجد بالدار بسبب التفكك الأسري يسلم لأحد من أهله بعد بلوغه السن القانوني، ولكن مجهول النسب لابد أن يوفر له سكن لأنه ليس له أحد يذهب له، ولكن هذا عكس ما حدث معي أنا وأخواتي بالدار، لنجد أنفسنا فجأة “اترمينا في الشارع”، وبعض أخواتي مستقبلهم أدمر فهناك من تاجر بالمخدرات وهناك من سُجن، وهناك من تشرد.

وأنهمر في البكاء قائلاً: لم يكن خروجي من الدار بداية لحياة جديدة ولكن كان بداية لمأساة، لأجد نفسي بلا مأوى أنام في الشارع على الأرصفة وتحت الكباري وفي الحدائق العامة، ارتجف من شدة البرد، وأحترق من حرارة الشمس، بعد أن كنت أنام بين أربعة حيطان وسقف أصبحت في الشارع أنال شفقة العابرين من يعطيني بطنية ومن يعطيني وجبة.

وفي هذا الصدد، يقول “عفيفي”: طموحي وعزة نفسي جعلاني أرفض هذا الوضع، ووضعت أمامي حُلم أن أكمل تعليمي وأن أصنع مستقبل يجعلني قصة مشرفة لأي أحد، أصبحت أعمل في محلات أكل و مقاهي، وأدخر “يوميتي” وأحرم نفسي من اللقمة لأدفع مصاريف الجامعة، ولم يكن هذا فحسب ولكن كنت أدخر لأشتري ملابس جميلة تليق بي كطالب جامعي وحسن المظهر وسط زملائي، فلا أقبل على نفسي أن يستقل بي أحد، أصريت على حلمي وسعيت وراه وذقت المرارات حتى حققته وأصبحت حاصل على بكالوريوس تجارة.

ويروي “عفيفي”: خلال هذه الفترة كنت أبحث عن سكن، فكيف لشاب في سن المراهقة أن يحقق أحلامه في الشارع، وكانت أصعب أمنياتي في هذا الوقت أن أنام!، وفي يوم تعرفت على رجل قالي سأوصلك بمقاول يبني عمارة تحت الإنشاء في الهرم، وعرفني عليه وأخذوا مني المبلغ الذي خرجت به من دار الأيتام كثمن لشقة على الطوب الأحمر، ومضيت على عقد “مضروب” وأخذوا فلوسي وأصبحت مرمي في الشارع لا أملك حتى قوت يومي.

وتابع توسلت لأحد أصحاب محلات الأكل التي عملت بها وهو صاحب محل “بيتزا” أن يسمح لي أنام داخل المحل ولكنه كان يرفض في البداية، ومع مرور الشهور في العمل معه وثق بي وسمح لي أن أنام داخل المحل، وكان يغلق عليّ الباب منذ الساعة الواحدة منتصف الليل وحتى الساعة التاسعة صباحًا، وطوال هذا الوقت كنت كالسجين داخل المحل لا استطيع حتى الذهاب للحمام، وكنت انتظر حتى يفتح الباب لأجري على المسجد أدخل الحمام وأتوضأ و اصلي وأعود للمحل مرة أخرى.

وفي هذا الإطار، يضيف “عفيفي” استمريت في هذا المحل لمدة 6 سنوات، حتى أرادت الحياة أن تشعل لي شمعة أمل، كان هناك زبون يحب أكلي ويأتي باستمرار لتناول الطعام بالمطعم، وفي يوم رآني صباحًا وأنا أخرج من المحل بعد أن قام صاحبه بفتح الباب، سألني لماذا تنام هنا؟، فحكيت له قصتي.

ذهب هذا الشاب ليروي قصتي لوالدته، لتصبح هذه الصدفة الحلوة التي غيرت حياتي، فكانت والدته هي الأم الكفيلة لي وأنا طفل صغير في الدار، وفرقتنا الأيام بسبب سفرها للسعودية، فطالبت من أبنها أن يحضرني لمقابلتها، استقبلتني بقلب أم، وأعطتني شقة صغيرة مكونة من حجرتين وصالة وبها جميع مستلزماتها، ورفضت أن تأخذ مني إيجار.

وتابع “عفيفي” كانت هذه نقطة التحول في حياتي، كنت أعود من العمل أجد صينية العشاء في الشقة، وساعدتني أن أحفظ 16 جزء من القرآن الكريم، ولكني رفضت أن أكون عال عليها، ومع استمرار رفضها أن أسكن مقابل إيجار، قررت أن أترك هذه الراحة التي كنت أبحث عنها سنين وامشي، ولكنها لم تتركني أيضًا ووفرت لي فرصة عمل في مطبخ مستشفى حكومي، وبها سكن.

ويكمل خلال عملي بالمستشفى تعرفت على زميلتي وأحببتها وطلبتها للزواج، وعملت ليلا نهارا بدل الشغل أثنين، ودخلت جمعيات لأكون شقة للزواج، وأخذت شقة إيجار جديد وفرشتها وتزوجت، وحققت ثاني أكبر حُلم لي تزوجت وكونت أسرة وأصبحت أب لبنتين.

وأختتم حديثه قائلا: سعيت لتحقيق أحلامي لأثبت للمجتمع أن اليتيم هو طفل مجني عليه من أسرته والمجتمع، وليس متشرد ولا ابن شوارع، أتمنى أن يغير المجتمع نظرته لنا، وحلمي مقابلة الرئيس “السيسي” وأن أحصل على مشروع صغير وهو عربة أكل لأحسن دخلي وأوفر حياة أفضل لبناتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Ad
Ad