أراء ومقالاتالموقع

جورج أنسى يكتب لـ«الموقع».. التسعيرة الجبرية والرأسمالية «العفية»!

انتشرت “التسعيرة الجبرية” في مصر خلال فترة ما بعد إزاحة النظام الملكى، ترسيخًا لمبادىء حركة يوليه ١٩٥٢، خاصة مع الاتجاه شرقًا بإقامة نظام اشتراكي يضمن العدالة الاجتماعية وتوفير السلع الأساسية للمواطنين، بوضع تسعير إلزامي لكل سلعة مطروحة فى الأسواق، وبناء عليه يتم تجريم عمليات البيع بما يخالف ذلك.

غير أنه مع تحول مصر التدريجي نحو السوق الحر تراجعت الحكومة بشكل تدريجي عن الاشتراكية بنهاية الثمانينيات؛ مع إعطاء فرصة أوسع لآليات الرأسمالية، والتي تعتمد في تسعير السلع والخدمات بناء على العرض والطلب.

لكن فى سبتمبر ٢٠٢٢، شهدت الأسواق انفلاتًا كبيرًا في أسعار بيع الأرز ، مما إضطر الحكومة إلى فرض تسعيرًا جبريًا، بحيث لا يزد سعر كيلو الأرز “المعبأ” عن 15 جنيهًا، و”السائب” بسعر 12 جنيهًا، ومعاقبة من يخالف القرار بغرامة تصل إلى 5 ملايين جنيه، طبقا للمادة ” 22 مكرر” من قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار.

وعلى الرغم من ذلك، استمرت أسعار بيع الأرز في الارتفاع، بل زادت المشكلة بحدوث نقص شديد في الأسواق، مع عدم قدرة المنافذ الحكومية على تغطية حجم الطلب الكبير عليه، ما دفعها إلى إلغاء القرار في فبراير الماضي -قبل شهر من انتهاء المدة- وتركه للبيع بالسعر الحر بهدف توفير كميات أكبر في السوق، وبالتالى أفرج التجار عن الكميات المخزنة، ومع ذلك ارتفعت أسعار الأرز فى الأسواق لتتخطى حاجز 25 جنيهًا للكيلو!.

وفى خطوة مناقضة تمامًا، أكد المتحدث باسم مجلس الوزراء في أكتوبر الماضي -وقت الإعلان عن المبادرة الحكومية لخفض أسعار السلع الاستراتيجية- أنه “لا عودة لفكرة التسعيرة الجبرية وأن جميع السلع متوفرة ولا يوجد نقص في الأسواق”!.

واليوم؛ وبعد مرور نحو شهر تقريبًا على تلك التصريحات، يوجه الدكتور على مصليحي -وزير التموين والتجارة الداخلية- تهديدًا حاسمًا لتجار السكر، بالاتجاه إلى فرض تسعيرة جبرية بقوة القانون لعودة الاستقرار لسوق السكر، مانحًا مهلة 10 أيام قبل التدخل بشكل حاسم!.

المعروف أن جميع القوانين والتشريعات المصرية وحتي الدستور-نفسه- أكد تبني الدولة فكر النظام الرأسمالي، والذي يؤمن بالحريات الاقتصادية وحماية المستثمرين والقطاع الخاص من تدخل الدولة في الاقتصاد بعيدًا عن دورها الرئيس في تنظيم السوق والرقابة عليه، خاصة أن قرار التسعيرة الجبرية ينشط (السوق السوداء)، حيث تختفي السلعة من الأسواق الرسمية ويتضاعف ثمنها ،إلا أنه -وفقا للمادة 10 من قانون جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية-يجوز بقرار من مجلس الوزراء تحديد سعر البيع لمنتج أساسي لفترة زمنية محددة”!.

كل المؤشرات تؤكد صعوبة نجاح الحكومة في تطبيق التسعيرة الجبرية فى ظل رأسمالية “عفية”، فهى لا تمتلك الأدوات المطلوبة للتطبيق والرقابة، خاصة مع الفشل الملحوظ في منع المضاربات على السلع المتاحة بكثرة في الأسواق، والأجدر بالحكومة هو زيادة مساحة المنافسة بين الشركات والجهات المنتجة للسلع الحيوية بتقديم كل التسهيلات الممكنة للقطاع الخاص، وهو ما يعود فى النهاية بالنفع على المواطنين .

اقرأ ايضا للكاتب

جورج أنسى يكتب لـ«الموقع».. حول مخالفة طمس لوحات المركبات!

جورج أنسى يكتب لـ«الموقع».. عندما يعلن الإعلام الإسرائيلى فقدان الاتصال بنجل الرئيس!

جورج أنسى يكتب لـ«الموقع».. بين إقامة المهرجانات وضحايا غزة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى