أراء ومقالاتالموقع

إيمان أنيس تكتب لـ«الموقع» ما الحب إلا للحبيب الآخر

الناس في الحب مذاهب؛ فريق يتخذ مذهب الحب الأول عقيدة راسخة فالقلب لن يعشق سواه معتنقا قول أبو تمام: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول .. كم منزل في الأرض يألفه الفتى و حنينه أبدا لأول منزل .

و على النقيض تماما فريق آخر مذهبه الحب الآخر فيرى الحب الأول و قد انقضى عهده كالميت و الحبيب الآخر هو من ينعم المرء بجنة عشقه و الحب أخذ أما العشق فهو عطاء و يعتنق قول العلوي الأصبهاني : دع حب أول من كلفت بحبه ما الحب إلا للحبيب الآخر .. ما قد تولى لا ارتجاع لطيبه هل غائب اللذات مثل الحاضر؟! .

و فريق آخر حائر بين مذهبي الحب سالفي الذكر يرى أنه لا فكاك و لا انعتاق من الحب الأول و لا مفر و لا مناص من الحب الآخر متبعا قول الشاعر: قلبي رهين بالهوى المقتبل فالويل لي في الحب إن لم أعدل .. أنا مبتلى ببليتين من الهوى شوق إلى الثاني و ذكر الأول .. إني لأحفظ عهد أول منزل أبدا و آلف طيب آخر منزل.

و هناك مذهب آخر يخالفهم جميعا يرى أن الحبيب من نحبه الآن فليس في الحب أول و آخر يتبع قول الشاعر : الحب للمحبوب ساعة حبه ما الحب فيه لآخر و لا أول.

و أتباع كل مذهب يتشبثون برأيهم و يصدحون بأشعارهم … لكن دعونا نعمل العقل قليلا و نتأمل بشيء من التمحيص ، و نتفق أن الحب درجات و مراتب، و أن من أحببناهم يوما و كانوا لنا كالماء و الهواء و وضعناهم في مصاف الملائكة و تعبدنا في محراب عشقهم و فطر القلب عند فراقهم ؛ هم ذاتهم عندما دارت الأيام و عادوا لنا من جديد صدمنا بواقع أن حبهم كان مجرد وهم نعيش فيه و قد أضعنا العمر سدى في الندم عليهم.

فالحب الحقيقي الواقعي حقا للحبيب الآخر، الذي جاءك بعدما تشوه قلبك يالجروح ، تاركة آثارها العميقة كالندوب ، كل ندبة تذكرك بغصة و ألم خذلان أحدهم ، و كيف كنت ساذجا فتبدلت براءتك من قسوة الدروس التي تفننت الحياة في تلقينها لك برحيل الأحبة واحد تلو الآخر، و سيرك وحيدا في درب وعر طويل موحش بروح معتلة و نفس مكسورة و قلب مهزوم ، بعدما جفاك مرقدك و سهرت الليالي الطويلة وحيدا مؤرق العينين ، و نام فؤادك حزينا في سبات عميق، و اعتدت أن تخطو الطريق وحدك بخطى واثقة تسعى لتحقيق أهدافك في الحياة …

فإذا به يقابلك و قد اشتد عودك و قوى قلبك و انتصب جذعك ، فيعيد روحك من حافة السقوط ، ويجعلك تؤمن بالحب و الأحبة مرة أخرى، فيملأ عقلك و كنت تستخف بمن دونه، و يمنح قلبك الأمان بعدما اجتاحته أشباح الفوضى و الخراب، فيدركه الربيع الأزلي بعدما أخافه الخريف ،و أقبضه الشتاء ،و أرقه الصيف، و ظن أنه لن يدرك الربيع أبدا، و أن الحياة تضن عليه بغير فصولها المتطرفة المؤلمة ، سترى وجهه في كل الوجوه و الملامح ،و تختزل الناس كلهم فيه، و كيف لا و هو الذي أصلح ما أفسده الجميع ، فتختاره بكامل إرادتك فلم تقع في حبه و لم تختطف، بل رأيت نواقصه و قبلتها كما رأى نواقصك و قبلها ، و تقرر في كل لحظة أنك تحبه ، و تقبله كما هو ، و إن عادت الأيام ستختاره هو ، و لن ينازعه سواه في قلبك إلى ما لا نهاية، لأنه حبك السرمدي الأزلي، فهو الأول من نوعه و هو الآخر فليس بعده حب.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى