أراء ومقالاترئيسية

أشرف مفيد يكتب لـ”الموقع” «ميتين» أهلك !!

بينما كنت أزور صديق مريض مقيم في منطقة شعبية ، شاهدت «خناقة» من الحجم المتوسط فقد كانت خالية من السنج والمطاوى وما شابه ذلك وبالتالى لم يصل فيها «الدم للركب» بل كانت مليئة فقط بالشتائم من كل شكل ولون واستوقفني وسط هذا الكم الهائل من الشتائم قول أحدهم للآخر «هاطلع ميتين أهلك» .. هذا القول جعلنى أتساءل بينى وبين نفسى كيف “يطلع ميتين أهله” وما دخل «الأموات» في هذا الشأن فربما تكون المشاجرة أصلاً قامت بسبب خلاف على علبة سجائر .

ولأننى أجد متعتى دائماً في قراءة كتب التاريخ والتراث للبحث عن حكاية قديمة من تلك القصص التى أكتب عنها و أقدم من خلالها الحكمة والموعظة لعلها تكون سبباً في إفاقة الغافلين الذين تلهيهم الحياة.

المهم أننى أثناء البحث عن أصل عبارة « هطلع ميتين أهلك» فوجئت بعدة تفسيرات أعتقد أن أقربها الى الحقيقة هو التفسير الذى ذكره الباحث في التراث الأستاذ رحاب الدين الهوارى عبر برنامجه “حكايات منسية” علي السوشيال ميديا يقوم خلاله “بالنبش” داخل الأشياء القديمة وهو مجهود كبير أشكره عليه وأحييه علي هذا الصبر وطول البال، لأنني أعلم جيداً حجم المعاناة التى يسببها البحث عن معلومة قديمة مجهولة المصدر.

يقول رحاب الهوارى أن أصل عبارة «هطلع ميتين أهلك» يرجع الى عصر الثورة المهدية فى السودان التى قامت على يد محمد أحمد المهدى عام ١٨٨١ واستمرت حتى ١٨٩٩ وكانت منتشرة فى ذلك الوقت عادة سيئة فى السودان أنه حينما يموت كبير العائلة أو أحد أفرادها كانوا يدفنونه داخل البيت والمؤسف انه كان اذا مرت العائلة بضائقة مالية فقد كانت تقوم ببيع البيت لتقيم فى بيت اقل منه فى المستوى ليتم الاستفادة من فرق سعر البيع فى سداد الديون وبالطبع فإن البيع كان يتم بسعر أقل من السعر السائد وذلك فى حالة بيع البيت “بالميت” لأن عملية إخراج الميت ونقله الى مكان اخر كانت مكلفة جداً حيث تحتاج الاستعانة بشيخ يطلب مبالغ مالية كبيرة مقابل قيامه بعمل طقوس دينية معقدة ، فكان يضطرهم ذلك الى بيع البيت بالميت ومن هنا ظهر التعبير الذى يتم تداوله حتى الآن فى عمليات البيع والشراء ان هذا السعر “بالميت” بمعنى أن ذلك هو أقل سعر فى عملية البيع .

المهم أن الخليفة عبد الله التعايشى الذى تولى الحكم عام ١٨٩٩ أراد الغاء هذه العادة باعتبارها مخالفة لتعاليم الدين الاسلامى فقرر أن ينقل الموتى من البيوت التى باعها أهلها بما فيها من “جثث الموتى” وبدأ مشروعه فى مدينة “أم درمان” ليتم دفنهم فى مدافن عامة وبعدها كرر الموضوع فى بقية المدن السودانية الاخرى فانتشرت فى السودان أنه “طلع ميتين أم درمان” وتحولت هذه الجملة الى نوع من السباب والشتائم وتهديد أى شخص بأنه لو لم يفعل كذا “هيطلع مينين اهله” وبالطبع كانت تلك الجملة صعبة وقاسية لأنها تعنى أن هذا الشخص من عائلة باعت “البيت بالميت”.

والآن وبعد أن عرفنا أصل وفصل جملة “هاطلع ميتين اهلك” ليتنا نتوقف عن ترديدها حتى ولو على سبيل المزاح لأنها تتعلق بحرمة الموتى من ناحية وبشعب السودان الشقيق من ناحية أخرى ، فالأشقاء فى السودان لم يكن له أى ذنب فى تلك الظروف الصعبة والقاسية التى عاشوها من قبل وفرضت عليهم هذا الوضع المؤلم سواء كان ذلك فى “أم درمان” أو أى مدينة اخرى

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Ad
Ad