أراء ومقالاترئيسية

أشرف مفيد يكتب لـ”الموقع” .. سارقاه السكينة

حينما كنت صغيراً كانت تحدث أمامى أشياء كثيرة لم أعرف تفسيراً محدداً لها فى ذاك الزمان الذى كان مليئاً بالطيبة والخير والتسامح ، ولكن الآن ومع مرور الوقت أصبحت اتذكرها بمناسبة وبدون مناسبة ربما يكون ذلك نوع من أنواع الحنين الى الماضى المعروف باسم “النوستاليجا” أو ربما هو وسيلة ألجأ اليها كلما حاصرتنى مفردات الحياة العصرية القاسية فأهرب من حاضر مؤلم أرهقنى وأوجع قلبى وسبب لى الكثير من الأزمات الصحية.

منذ أيام وبينما كنت أشاهد فيلم النجم محمد صبحى ” أونكل زيزو حبيبى.” لفت انتباهى الفنان الرائع “ابراهيم سعفان ” الشهير بعم “مبلولى” وهو يضع حبوب القوة للديك الذى كان يطلق عليه اسم “لهيطة” وبسبب تلك الحبوب “الشيطانية” تحول الديك الى ما يشبه الوحش .. هذا الديك وهو بهذا الحجم الكبير جعلنى أعود بذاكرتى الى سنوات الطفرلة فتذكرت “ديك” كانت تربيه جدتى رحمها الله وسط الكثير من الدجاج والبط والوز والرومى ، وكانت تربية هذه الطيور سمة جميع بيوت القرية من أجل الاكتفاء الذاتى بدلاً من شراء طيور السوق التى لم يكن أحد يعرف كيف تمت تربيتها ، فقد كانت جدتى تحرص على أن تضع للطيور فى البيت طعام نظيف ومياه عزبة حتى يصبح لحمها طيباً.. واتذكر جيداً أنه حينما كبر هذا “الديك” وصار شكله غريبا وحان موعد ذبحه .. قامت بسن السكين جيداً وخبأته خلف ظهرها كعادتها دائما قبل أن تذبح تلك الطيور. حيث كانت حريصة كل الحرص على ألا يرى الطير السكين اثناء لحظة ذبحه حتى لا يتغير طعم لحمه بسبب الخوف فقد كانت على قناعة تامة بأن الطيور والحيوانات اذا رأت السكين اثناء ذبحها فإنها سوف يتغير دمها على الفور نتيجة شدة الخوف وبالتالى ينعكس ذلك على إفساد طعم لحمها .. المهم أنه ما إن انتهت من ذبحه حتى فوجئت به يجرى فى كل الاتجاهات على الرغم من انها كانت قد قطعت رقبته ولم يتبقى منها سوى قطعة جلد صغيرة تربطها ببقية جسمه ، وظل الديك يجرى ويجرى ويجرى فى نفس المكان ليثبت لنفسه ولنا أنه “حى” وما زال على قيد الحياة .. عقلى الصغير دفعنى لمساعدة جدتى بأن أجرى خلفه للامساك به وذلك اعتقاداً منى بأنها أخفقت فى عملية الذبح ، فملأت الابتسامة وجهها الطيب الحنون وقالت لى “سارقاه السكينة” وبعد لحظات سوف يسقط على الأرض .. لم أفهم ماذا تقصد بكلمة “سارقاه السكينة” ولكن الذى اتذكره جيداً أنه بعد لحظات قليلة سقط بالفعل على الأرض.

ما حدث فى ذلك اليوم ترك بداخلى تساؤلات كثيرة ظلت عالقة فى ذهنى حتى الآن فهل هذا الأمر يتوقف على الطيور والحيوانات فقط أم أنه ينطبق على بنى البشر أيضاً ؟.

وقتها لم اعرف الإجابه ولكن الآن وبعد كل هذه السنوات اعتقد أننا جميعاً يمكن أن تسرقنا السكين .. فالمسئول الذى يجلس على كرسيه وينسى أنه يجلس بشكل مؤقت على كرسى سوف يتركه بعد وقت قصير ليجلس عليه مسئول آخر فإنه يكون بالفعل “سارقاه السكينة” .. والشاب الذى يعيش حياته بالطول والعرض دون أن يستثمر شبابه كما أمره الله جل شأنه فهو بكل تأكيد “سارقاه السكينة” ومن تكون لديه فرصة للقيام بفعل الخير فى حياته ولكنه يغرق نفسه فى ملذات الدنيا وينسى حق الناس عليه يكون “سارقاه السكينة”.

فليتحسس كل منا رقبته جيداً .. فربما يكون هو أيضاً “سارقاه السكينة” ولكنه للأسف الشديد سوف يكتشف ذلك بعد فوات الآوان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Ad
Ad