أراء ومقالاتالموقع

أسامة السعيد يكتب لـ«الموقع » خارج النص ..هوامش على دفتر الإصلاح (5) … إصلاح الإعلام

تتوالى الأيام، ويقترب موعد انطلاق جلسات الحوار الوطني المقرر انعقادها في الأسبوع الأول من شهر يوليو المقبل، واستكمالا لما بدأناه بهذه السلسلة من المقالات حول سبل الإصلاح وأولوياته، أصل إلى واحدة من المحطات الحاسمة، التي أتصور أنها ستكون واحدة من أبرز قضايا الحوار الوطني، فهي من الملفات الحاضرة دائما في نقاشاتنا المجتمعية، وأعني قضية إصلاح الإعلام، وهي حقا قضية ذات شجون وشئون.

وأظن – والظن هنا ليس كله إثم- أن هناك حالة عامة من عدم الرضا بشأن الإعلام في بلادنا، فالدولة ممثلة في كبار مسئوليها لا تكاد تمر مناسبة دون تعليق حول أسلوب الإعلام في معالجة بعض القضايا، أو تقصير هنا وهناك في التركيز على الأولويات التي تستحق المتابعة والتحليل.

والمواطن العادي، الذي هو الجمهور المستهدف من العمل الإعلامي يبدي كثيرا من الاعتراضات حول غياب قضاياه الحقيقية عن أجندة الإعلام، الذي يمنح الأولوية لقضايا أخرى يراها كثيرون هامشية ولا تمت لهموم المواطن واحتياجاته بصلة، بل إن الإعلام دائما متهم حاضر في كل مصيبة مجتمعية، فتراجع الأخلاق وانتشار الجرائم الشاذة، وانهيار منظومة القيم، وتدهور العلاقات داخل الأسرة، سببها الإعلام وما يقدمه من محتوى غير هادف، والجميع يتحسر على إعلام “الزمن الجميل” عندما كانت الأسرة تلتف حول الشاشات، ورب الأسرة يعود بالجريدة من عمله، والجميع ينصت ويتعلم من برامج الإذاعة!
والخبراء والأكاديميون والمثقفون يملأون الفضاء الواقعي والافتراضي بانتقادات لا تخلو من حدة، عن مدى القصور الحاصل في أداء الإعلام، وتلاشي القضايا الجادة، في مقابل التركيز على القضايا الترفيهية الهامشية، وبات الإعلام وصفحاته ومواقعه وشاشاته نهبا لأفكار سطحية تغيِّب وعي المواطن، وتعيد إنتاج ما “تطفح” به صفحات السوشيال ميديا من قضايا وأفكار ونقاشات، أغلبها بلا قيمة كغثاء السيل، فضلا عن غياب المهنية والدقة والمصداقية عن كثير من المعالجات الإعلامية.

وجمهور السوشيال ميديا ينظرون إلى الإعلام كسلحفاة في طريقها إلى الانقراض، فالوسائل الإعلامية في نظر هؤلاء لا تستطيع تحقيق الانتشار الذي يحظى به الفضاء الأزرق، ولا تمتلك من أدوات المرونة والانفتاح وسقف الحرية غير المحدود، ما يتوافر لمنصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يجعلها أكثر تفاعلية وقدرة على التعبير عن حياة الناس الحقيقية، فضلا عن تركيز “السوشيالجية” على أخطاء وسقطات بعض الإعلاميين، واتخاذها بكثير من التصيد والتضخيم مادة للسخرية والتندر، وفتح مجال جديد للجدل والنقاشات الساخنة، وهو ما يهيل مزيدا من التراب على احترام الإعلام ومصداقيته.

والعاملون في الإعلام أنفسهم ليسوا ببعيدين عن ميدان “عدم الرضا”، فهم على قناعة بأنهم أسرى لظروف مهنية وغير مهنية تحد من قدرتهم على العمل، وتقيد حريتهم في مناقشة الكثير من القضايا، فضلا عن أن انصراف الكثير من فئات الجمهور عن متابعة وسائل الإعلام أدى إلى تراجع قدرتهم على التأثير، وبالتالي توارت مكانتهم لدى الدولة ولدى المواطن على حد سواء.
الكل إذن يلقي بالاتهامات والانتقادات، والإعلام يقف وحيدا في مرمى نيران الجميع، يتلقى الضربات والصفعات والطعنات، فأين مكمن المشكلة؟

بالتأكيد ولدواعي الموضوعية فإنه لا يمكن لشخص أو حتى لعد أشخاص تشخيص الداء واقتراح الدولاء لقضايا معقدة ومتشابكة الأبعاد كقضية إصلاح الإعلام في مقال أو حتى في عشرات المقالات، فالأمر أكبر من طاقة فرد أو حتى جهة بعينها، بل هي قضية مجتمع في المقام الأول، والأمر يتطلب حوارا مجتمعيا شاملا، بعقول منفتحة، ونوايا صادقة من أجل الإصلاح، ولتكن هذه السطور مجرد محاولة متواضعة، تضاف إلى أفكار كثيرة مطروحة من خبراء وأكاديميين لهم ثقلهم في هذا الشأن.
وأول خطوات الإصلاح، فيما أتصور، هي الاعتراف بوجود العلة، حتى يمكن البحث عن العلاج، أما فلسفة الإنكار، والسعي إلى تصوير أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان فهي مسألة تزيد من وطأة المرض، بل وتدفع به نحو مرحلة الخطر.

نعم إعلامنا بكل تجلياته ليس في أفضل حالاته، فالإعلام الذي كان ولا يزال أحد أهم أدوات بناء الدولة وصناعة قوتها الناعمة، يتراجع في مكانته ودوره، سواء بالنسبة للسلطة أو في ميزان المجتمع، توزيع الصحف بكل انتمائتها في تراجع مستمر، المحتوى الإذاعي والتلفزيوني يغلب عليه الطابع الترفيهي، القنوات والبرامج والمحتوى الجاد والهادف يضيع وسط طوفان من التفاهة والضحالة الفكرية.

المؤسسات الإعلامية الكبرى المملوكة للدولة، والتي صاغت فكر ووجدان المصريين لعقود طويلة، غارقة في العديد من المشكلات الاقتصاديةوالإدارية، ومحملة بأعباء تثقل حركتها وتقيد انطلاقها، بل ويثار حول مستقبلها العديد من الأسئلة الوجودية التي تحتاج إلى إجابات واضحة وصريحة وكاشفة.

وأتصور أن الخطوة الأهم في تشخيص المشكلة، بل وفي تحديد العلاج الصحيح تكمن في تحديد نمط العلاقة بين الدولة والإعلام، وأية أهداف تسعى الدولة إلى تحقيقها من خلال هذا الإعلام، لأن تلك هي النقطة المركزية والجوهرية التي يتفرع منها بقية الأبعاد.

مرت العلاقة بين الدولة وبين مؤسسات الإعلام وتمر بمراحل من التحول والانتقالات المربكة أحيانا، فنحن لسنا أمام نمط الإعلام المفتوح الذي يحظر على الدولة امتلاك وسائل الإعلام أو التدخل في عملها، على غرار النمط الأمريكي، وبالتأكيد أيضا نحن لا نتبع النمط الحكومي الكامل، الذي يقصر ملكية وسائل الإعلام على مؤسسات الدولةكالنموذج الصيني، بل إننا نتبع نمطا مختلطا، تمتلك فيه الدولة وسائل إعلام، ويتاح للأحزاب السياسيةوللأفراد والشركات أيضا امتلاك وسائل إعلامية.
لكن تبقى – شئنا أم أبينا – الدولة بأدواتها القانونية والواقعية هي الفاعل الرئيسي في تحديد ملامح السياسة الإعلامية، ووضع أبعاد تحرك الإعلام، وصياغة دوره وحدود تحركه، وإبراز من يتصدرون المشهد الإعلامي، ومن يتوارون عنه.
ومن هنا فإن البداية الحقيقية هي أن يكون هناك حوار فاعل وواقعي وبأقصى درجات المكاشفة بين الدولة وبين أطراف صناعة الإعلام (ممارسين ومالكين وخبراء) يحدد على وجه الدقة ما تريده الدولة من الإعلام، وما يمكن أن تقدمه له، ففي هاتين النقطيتين تكمن المشكلة، كما يتجسد العلاج.

فزيادة سقف الحرية ومنح وسائل الإعلام مساحة أكبر للتحرك والعمل، وممارسة النقد المباح، وتمكين وسائل الإعلام من الوصول إلى المعلومات (ما لم تكن سرية بطبيعتها)، عبر تشريعات ملزمةتضمن حرية تداول المعلومات، والتزام صارم من مختلف الجهات بتطبيق هذا النهج، فضلا عن حسم العديد من المشكلات المزمنة والديون المتراكمة، والتي تمثل سيفا مسلطا على رقاب العديد من المؤسسات، لا سيما المملوكة منها للدولة، وإقرار سياسة جديدة لإصلاح تلك المؤسسات ماليا وإداريا ووظيفيا، ووضع معايير واضحة للاستفادة من الكفاءات التي تذخر بها، كلها أمور لا يكاد يختلف أحد على أهميتها في إنعاش الإعلام واستعادة مكانته.

في المقابل فإن هناك أيضا مسئوليات جسام تقع على المنظومة الإعلامية نفسها، وتستوجب اعترافا بالكثير من الأخطاء وأوجه القصور التي أدت إلى ما نحن عليه اليوم، وأول ما يجب الاعتراف به أن كثيرا من ضوابط وأخلاقيات ممارسة المهنة لم يعد محل التزام أو احترام من جانب فئة غير قليلة من المؤسسات والعاملين بالمجال الإعلامي، وربما يرتبط الأمر بضعف التأهيل العلمي في مؤسسات التعليم الإعلامي، فضلا عن تشوش معايير انتقاء من يدخلون إلى المهنة، وتراجع دور مؤسسات ضبط الأداءالمهني، في مقابل هيمنة ممارسات غير منضبطة، تجري وراء جذب الجمهور بأي ثمن، حتى لو كان على حساب المعايير المهنية كالدقة والموضوعية والنزاهة والمصداقية.

بل إننا يجب أن نعترف أن كثيرا من القائمين على العمل الإعلامي – إلا من رحم ربي من أفراد ومؤسسات- باتوا يضيقون بأي حديث عن أخلاقيات المهنة، ويعتبرونه “موضة قديمة”، ويؤمنون بأن المضمون الجاد “ثقيل الظل”، وأن الجاذبية لا تتحقق إلا من خلا محتوى تافه يغازل الغرائز ويعكس فكر ولغة بعض الفئات المتدنية، بزعم أن ذلك هو لغة الشارع وتعبير واقعي عن المجتمع!!

وهؤلاء كاذبون وعاجزون عن إنتاج محتوى حقيقي، بل إنهم أخطر على المهنة من خصومها،وللأسف باتت أساليب هؤلاء سمة غالبة فامتلأ الثوب الأبيض ببقعسوداء، وصار القابضون على أخلاقيات وقيم المهنة ودورها الجاد كالقابضين على الجمر.
الأمر إذن يتطلب مكاشفة حقيقية، وتحركا نحو الإصلاح في اتجاهين، تحرك من الدولة وآخر من أهل الإعلام، فاستمرار الحال على ما هو عليه، يهدد بتآكل سلاح مهم من أسلحة الدولة المصرية في مواجهة خصومها.. وأعتقد أن جلسات الحوار الوطني يمكن أن تكون فرصة مناسبة للجميع.

اقرأ ايضا للكاتب

د. أسامة السعيد يكتب لـ«الموقع» خارج النص ..هوامش على دفتر الإصلاح (4) إصلاح البحث العلمي

د. أسامة السعيد يكتب لـ«الموقع» خارج النص ..هوامش على دفتر الإصلاح (3) إصلاح التعليم

د. أسامة السعيد يكتب لـ«الموقع» خارج النص .. هوامش على دفتر الإصلاح (1).. الإصلاح السياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Ad
Ad