أراء ومقالاتالموقع

أسامة السعيد يكتب لـ«الموقع» خارج النص ..بأي حال يعود العام الدراسي الجديد؟

اليوم ينطلق عام دراسي جديد، يدير فيه منظومة التربية والتعليم، والتعليم العالي، وزيران جديدان، والمفترض أن يقدما رؤية جديدة لإدارة العملية التعليمية، التي يتفق الجميع على أهميتها ودورها في إحداث الإصلاح المنشود لبلادنا في كل المجالات، كما يتفق الجميع على حالة من عدم الرضا على الحال التي وصلت إليها العملية التعليمية في أغلب جوانبها.

يقول المتنبي في بيته الشهير: “عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ … بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ”، وأعتقد أننا جميعا نتساءل- على شاكلة المتنبي- إذا ما كان العام الدراسي الجديد سيكون كما مضى أم سيأتي بأمور فيها تجديد كما نبتغي جميعا ونتمنى، وهنا سأركز الحديث عن مرحلة التعليم المدرسي أي ما قبل الجامعي، لسببين، الأول لأنه ربما هو الأهم والأكثر إلحاحا في دعوات إصلاحه، والثاني لأن هناك الكثير من القرارات والتصريحات الصادرة عن الدكتور رضا حجازي وزير التربية والتعليم تستحق التحليل والنقاش والاشتباك الإيجابي معها، في مقابل حالة من الهدوء تصل إلى درجة الصمت من جانب الدكتور أيمن عاشور وزير التعليم العالى والبحث العلمي.

الدكتور حجازي استهل توليه المسئولية بالتأكيد على استمرار تجربة إصلاح التعليم، وأنه لا تراجع عن النهج الذي اتبعته الوزارة خلال السنوات الماضية في إشارة إلى المشروع الذي بدأه سلفه الدكتور طارق شوقي، والذي كان الدكتور حجازي نفسه أحد أركان الوزارة في تلك المرحلة.

هذا التصريح أثار شعورين في غاية التباين، الفريق الأول وهم كُثرُ، وأغلبهم ينتمي إلى طائفة “أولياء الأمور” والمعلمين، وقد شعروا بغبن شديد في حقبة الوزير طارق شوقي، وهؤلاء تساءلوا: إذا كان الوزير الجديد سيسير على نفس نهج الوزير القديم، فلماذا كان التغيير إذن؟!، وأين ستذهب أطنان الانتقادات التي لاحقت سياسات شوقي وقرارته ومناهجه وتابلته وامتحاناته وثانويته العامة؟!!
في المقابل أشاع تصريح الوزير حالة من الارتياح لدي فريق ثان، وهؤلاء تصوروا أننا نسير بالفعل على الطريق الصحيح، عندما لا تتغير الاستراتيجيات والخطط بتغير الأشخاص، بل يأتي كل وزير لينفذ نصيبه من الخطة الموضوعة لتُطبق على مدى سنوات وربما عقود، ولنتخلص من أسلوب “حقل التجارب” و”التعلم بالتجربة والخطأ” التي دفعنا ثمنها فادحا في الكثير من القطاعات، وكان التعليم أفدحها خسارة، وأبهظها ثمنا!!
لكن ما لبث الوزير الجديد أن شارك في أحاديث وندوات إعلامية وأصدر البيانات والتصريحات التي تبلور رؤيته وتجسد توجهاته، وهنا أدرك أنصار الفريق الثاني أنهم ربما تسرعوا في تفائلهم، فالوزير الجديد يتحدث عن إعادة أساليب التقييم والاختبار القديمة، وسيعيد الأسئلة المقالية (وهذه تحديدا أنا من أشد مؤيدي عودتها)، وقرر كذلك أن يعيد أعمال السنة، وأن يضعها في يد المعلمين، كما تدرس الوزارة بجدية (تقترب من الحسم) إعادة التحسين في الثانوية العامة!!
وأصدر الدكتور رضا حجازي جملة من القرارات التي يبدو أنه كان يختزنها لحقبة توزيره، بينما كان من الممكن أن يتخذها عندما كان النائب الأول للوزير لشئون المعلمين، فهي تدخل في صلب اختصاصه، وفي قلب مهام عمله.

أحد تلك القرارات كان إعادة فحص شهادات كل المعلمين الذين يضعون قبل أسمائهم (د.) وتصيبهم لوثة عصبية إن أخطأ أحدهم وناداه بلقب “أستاذ” بدلا من كلمة “دكتور” مع إضافة التفخيم اللازم والتوقير الواجب.

وأغلب هؤلاء إن دققت وراءهم ستجدهم قد حصلوا على شهاداتهم من مؤسسات ليست فوق مستوى الشبهات، داخليا وخارجيا، فقد أبتلينا على مدى السنوات الماضية بحمى اسمها مراكز منح درجة الدكتوراه الفخرية، وهذه مؤسسات نصب علني تبيع الألقاب وتوزع الدرجات على طريقة بيع “صكوك الغفران”.

والأشد أسفا أن الكثير من المعلمين الذين يفترض أنهم يتمتعون بخصال حميدة في مقدمتها إنكار الذات والتواضع واحترام قيمة العلم والتعلم، كانوا من أكثر الفئات التي تسابقت وراء شراء تلك الألقاب الزائفة، ربما طمعا في مكانة اجتماعية أرقى، لم يعد المجتمع يمنحها لوظيفة المعلم في حد ذاتها، فبات الأمر بحاجة إلى بعض الإضافات!!
وربما أراد بعض هؤلاء رفع “تسعيرتهم” في سوق الدروس الخصوصية، فـ”الدال نقطة” يمكن أن تمنح صاحبها مكانة أرقى من مجرد كونه أستاذ “حاف” بلا إضافات لزوم الوجاهة و”تظبيط الشغل”!!
والحقيقة أنني أرى أن هذا القرار يمثل بداية إيجابية، بل وأتمنى أن تحذو مختلف الوزارات ومؤسسات الدولة والنقابات حذوه، وساعتها سنكتشف العجب، بل أرجو أن يضيف الوزير إلى قراره بفحص شهادات من يحملون لقب “دكتور”، أولئك الذينيحصلون على ما يسمى بـ”الدكتوراه المهنية”، والتي تمنحها مراكز تدريب ومؤسسات غير تعليمية، وتبيع الشهادات مقابل حفنة جنيهات، عملا بقاعدة “بيع كثير بربح قليل .. تكسب كثير”!!
من بين القرارات “الحجازية” أيضا،التوجيه الصادرللمديريات التعليمية بكتابة عبارتين على جميع جدران المدارس قبل انطلاق العام الدراسي، هما: ” قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولاً”، والثانية” نحن شركاء فى بناء شخصية أبنائكم من أجل مستقبل مشرق واحترام المعلمين واجب على الجميع”.

وهنا أعتقد أن الصواب جانب قرار الوزير، فاستعادة قيمة المعلم ومكانته لا تكون بالشعارات ولو كتبت على كل جدران البلاد، وليس المدارس فقط (!!)، فقيمة المعلم يصنعها عطاؤه وما يقدمه لتلاميذه، وترتقيبتفانيه وإخلاصه في صياغة عقول ووجدان هؤلاء التلاميذ الذين سيتخرجون من تحت يديه ليقودوا وطنهم في المستقبل.

قيمة المعلم يجب أن تنبع أولا من المدرسة التي هي حصنه ومجال عمله، فيجب أن تعود القيمة إلى المدرسة، يرتبط بها الطالب، وتكون هي محل عمله الأساسي والوحيد (وضعوا تحت كلمة الوحيد ألف خط)، لا أن يكون الوجود في المدرسة هامشيا في حياة الطالب والمعلم، بينما يكون الدرس الخصوصي سواء في البيوت أو في “السناتر” هو الأساس، لأننا بذلك نحول التعليم إلى مشروع تجاري لا يزيد في قيمته عن أي “سوبر ماركت”، والمدرس إلى مجرد بائع لسلعة، سواء ذهب إليه الطالب لشرائها من “السنتر”، أو أوصلها لها المُعلم “دليفري” إلى البيت!!
استعادة قيمة المعلم تبدأ من تحسين الواقع المادي للمعلم، بحيث يحصل على ما يعينه على عيش حياة كريمة هو وأسرته، وهذا لن يتحقق بالمرتب الرسمي، مثل كثير من الوظائف في مجتمعنا، ولكن يمكن تحقيقه بصورة أكثر وقارا، فلماذا لا نفكر في تنظيم مجموعات مدرسية، يشارك فيها الأكفاء من المعلمين، ويدفع الطالب مقابلا معقولا، وتُشرف المدرسة على عملية التنظيم والتحصيل مقابل جزء من العائد، ويختار الطالب المدرس الذي يريد أن يدرس على يديه، حتى ولو كان موجها أو مدرسا لا يُدرس له في الفصل.

وأتصور أن تلك الوسيلة يمكن أن تحقق أكثر من فائدة، فتكون جزءا من اليوم الدراسي، بحيث لا يُستنزف الطالب في الدوران على السناتر طوال اليوم، ولا يهدر المدرس طاقته وكرامته بحثا عن مصدر دخل إضافي، ويوفر أولياء الأمور الاستنزاف اليومي من أموالهم ووقتهم وجهدهم في دورس أبنائهم، وتحظى المدرسة كذلك بدخل إضافي يعين في تطوير المرافق والخدمات، وتستعيد الوزارة قوتها في الإشراف والمتابعة

قيمة المعلم أيضا، جزء من احترام المجتمع لقيمة العلم والتعليم نفسها، وللأسف هذه لا يملكها وزير ولا حتى عدة وزراء، لكنها تحتاج إلى “ثورة ثقافية” حقيقية تعيد ترتيب أولويات المجتمع، وتخلصه من ركام الشوائب والأفكار السطحية والدخيلة التي اجتاحته على مدى عقود طويلة، ودفعت بمن يشغلون وظائف لها علاقة بالعلم والتعليم والتفكير إلى أسفل السلم الاجتماعي، بينما قفزت بأصحاب مهن هامشية تقوم على الفهلوة واستعراض الأجساد وبناء شبكات العلاقات إلى “قمة السلم”!!
لن أكل أو أمل من التأكيد على أن إصلاح التعليم هو البداية الصحيحة والحقيقية لأي إصلاح.. وبدون إصلاح التعليم، فلا أمل في مستقبل أفضل.

اقرأ ايضا للكاتب

أسامة السعيد يكتب لـ«الموقع» خارج النص ..مشاهد من زمن الهذيان!!

أسامة السعيد يكتب لـ«الموقع» خارج النص .فقر الفكر … وأزمة النخبة ;المزعومة 

أسامة السعيد يكتب لـ«الموقع» خارج النص..الطبقة المتوسطة في عام  الرمادة !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Ad
Ad