أراء ومقالاتالموقع

أحمد سلام يكتب لـ«الموقع» دورات المياه العامة ..دعوة للاستثمار

تحرص الأمم المتحدة على الاحتفال بالمناسبات الدولية من (أيام وأسابيع وسنين وعقود دولية وعالمية) بوصفها وسيلة للدعوة والتثقيف والتوعية الفاعلة وإذكاء الوعي الدولي بالقضايا ذات الصلة وعلى إحراز تقدم فيما يتصل بها. حيث تحتفي المنظمة الدولية بمناسبات محددة وتخصص لكل منها شعارا أو موضوعا معينا في كل عام.

وتقديراً لقيمة دورات المياه (المراحيض العامة)، تحتفل الأمم المتحدة والعالم في نوفمبر من كل عام باليوم العالمي للحمامات، نعم اليوم العالمي لدورات المياه World Toilet Day، والذي تستمر احتفالاته لمدة ثلاثة أيام متتالية.

في شهر يوليو الماضي، كتبت مقالاً يحمل عنوان “قضية المراحيض ليست شيئًا صغيرًا”، وذلك بسبب تعرضي لموقف الاحتياج لدورة مياه عامة لقضاء حاجتي. وقد لاقى المقال استحسانا كبيرا وردود أفعال هامة، كشفت أن هذا الأمر يعاني منه عدد كبير من المواطنين في كافة أنحاء الجمهورية، خاصة كبار السن والنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة والسائحين الأجانب.

وبمناسبة اليوم العالمي للمراحيض، أردت التأكيد على ضرورة الاهتمام بدورات المياه العامة، خاصة في ضوء ما تسعى إليه القيادة السياسية من إقامة المشروعات القومية وتطوير مشروع إعادة إحياء القاهرة الخديوية، في إطار متابعة تنفيذ مشروع تحسين الصورة البصرية لمنطقة وسط القاهرة، والذي تمتد حدوده من منطقة مسجد الحسين والجامع الأزهر، مرورا بميادين العتبة والأوبرا ومصطفى كامل وطلعت حرب انتهاءً بميدان التحرير.

وكذلك، مشروع تطوير بحيرة عين الصيرة التي تشهد أعمال تطوير كبيرة بعد أن كانت العشوائية هي السمة الأساسية للمنطقة. إضافة إلى ما أنجزته مصر من شبكة طرق ومحاور وكبارى جديدة، وكذلك مشروع تطوير منطقة مصر القديمة والسيدة عائشة، ومنطقة محور الحضارات.

وفي إطار الخطة الخمسية الحالية وفي إطار رؤية القيادة السياسية لإعادة المناطق القديمة لرونقها بالشراكة مع مستثمرين محليين ودوليين. من الأهمية بمكان الإشارة إلى بعض التجارب الدولية في مجال الاهتمام بدورات المياه العامة. التجربة الأولى، سبق أن أشرت إليها في مقالي السابق عن خطط الصين و”ثورة المراحيض” التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ في عام 2015، بعد تزايد شكاوى السياح.. وهو ما يعني أن الحملة استهدفت بناء مراحيض أفضل في المواقع السياحية.

وبالفعل، قامت الإدارة الوطنية للسياحة ببناء وتحديث 70 ألف حمام خلال ثلاث سنوات مثلت نحو 19% من المستهدف.. ثم أعلنت الإدارة عن خطة جديدة لبناء ورفع مستوى 64 ألف مرحاض بين عامي 2018 و2020.. وأشار الرئيس الصيني في مقال له بصحيفة الشعب الصينية – الاكثر انتشاراً – إلى أن قضية المراحيض ليست شيئًا صغيرًا، كما يعتقد البعض، بل تمثل جانبًا مهمًا في بناء المدن والريف المتحضر، وطالب ببذل مزيد من الجهود الكبيرة لسد الفجوة بين التنمية الاقتصادية التي تشهدها الصين ومستوى معيشة الشعب.

أما التجربة الثانية التي أنقلها اليوم، فهي تجربة تطوير دورات المياه في اليابان وتحديدا في حي (شيبويا)، وهو أحد أحياء طوكيو الـ 23. ويُعد هذا الحي من أهم مراكز الأعمال في طوكيو، ويوجد به واحدة من أكبر محطات القطارات في طوكيو. حيث قامت إحدى الشركات المعمارية الشهيرة بتصميم مجموعة من الحمامات ذات التصميمات المبهرة بغرض تغيير نظرة الناس حول المراحيض العامة.

وحسب بيان على الموقع الرسمي للمشروع “tokyotoilet.jp”: ذكر الموقع أن “هناك شيئان نقلق بشأنهما عند دخول دورات المياه العامة، الأولى هو النظافة، والثانية هو ما إذا كان أحد موجوداً بالداخل”. ولذلك، عالجت تصميمات الشركة المعمارية هذه المشاكل من خلال تقديم مراحيض بجدران زجاجية، تسمح للناس برؤية داخله.

ولكن، بمجرد دخول المرحاض وقفل الباب، تصبح الجدران معتمة لحماية خصوصية الأفراد، كما أن دورات المياه تضفي منظراً جمالياً ليلاً، حيث تضيء مثل الفوانيس على حد تعبير الشركة.

وتتميز دورات المياه العامة بالنظافة الفائقة، وتُعد المراحيض الشفافة جزءاً من مشروع مراحيض طوكيو، الذي تم إطلاقه حديثاً، وهو عبارة عن سلسلة من مرافق المراحيض العامة المعاد اختراعها.

وفي بيان صحفي، تقول مؤسسة “نيبون” غير الربحية والقائمة على مشروع مراحيض طوكيو: “استخدام المراحيض العامة في اليابان محدود بسبب الصور النمطية التي تدور حوله، كونه مظلماً وقذراً وذات رائحة كريهة. ومن أجل محو هذه المفاهيم الخاطئة، قررت مؤسسة ‘نيبون’ تجديد 17 مرحاضاً عاماً يقع في شيبويا، بالتعاون مع حكومة مدينة شيبويا”.

ولعل هذه التجارب تجعلنا في ظل ما تشهده مصر في كافة أرجائها من نهضة غير مسبوقة في كافة المجالات، ندعو جميع المؤسسات الحكومية والأهلية إلى أن تتكاتف وتركز علي ضرورة جذب المستثمر الأجنبي والمحلي للعمل في هذا المجال الهام، حيث أن مزايا الاستثمار في نظام صرف صحي مناسب هائلة. فكل دولار يُستثمر في الصرف الصحي الأساسي يحقق عائداً يصل إلى 5 دولارات في التكاليف الطبية المُوفرة وزيادة الإنتاجية، وتتولد الوظائف على طول سلسلة الخدمات بأكملها. وذلك أيضاً بالتوافق مع ما تسعي الجمهورية الجديدة إليه من تطوير منظومة الفراغات العامة والمناطق المفتوحة بمدينة القاهرة، وتحسين مستوى جودة الحياة للمواطنين والجذب السياحي وإتاحة مناطق حضارية تتيح لهم التنزه وممارسة الأنشطة المختلفة.

ومما أدهشني وتوقفت أمامه كثيراً، ما قرأته منسوباً لمجلة “ذاكرة مصر المعاصرة” حول قيام اليابان في عام 1862، بإرسال بعثة «الساموراي»، لكي تمر بعدد من البلدان، والوقوف على أسباب نهضتها وتقدمها، لتستفيد اليابان في النهاية من التجارب المختلفة، وخلال رحلة «الساموراي»، مرَّت بمصر، وعن أهم الانطباعات التي سجّلتها البعثة عن زيارتها لمصر، يقول «فوكوزاوا يوكوأتشى» الإصلاحي الياباني مشيراً إلى مظاهر التقدم في مصر – آنذاك – بكل دقة في كتابه عن رحلة الساموراي، وأن مصر في هذا الوقت المبكر كانت أكثر تقدما من اليابان بشهادة فوكوزاوا نفسه! وكانت انطباعاته عن مصر ضمن أحد الكتب التي ألفها، مؤكدًا إعجابه بالحمامات العامة في القاهرة، مشيرًا إلى أنها أنظف من الحمامات العامة في اليابان، وإن كان قد أبدى دهشته من أن حمامات القاهرة أغلى من حمامات طوكيو في ذلك الوقت، وهو ما اعتبره مؤشرًا على الرخاء الاقتصادي الذي كانت تعيشه مصر آنذاك.

الحقيقة أنه نظراً لعلمي بمدى الاهتمام الكبير من القيادة السياسية والمتابعة الدورية لموقف مشروعات تطوير القاهرة التاريخية بشكل عام، ومن منطلق ضرورة الوقوف على الاحتياجات الفعلية للمصريين والأجانب والسائحين، والخدمات التي يرغبون فى تواجدها بالمناطق المفتوحة، والتى يمكن للسكان دخولها والاستمتاع بها، وقضاء أوقات بها لممارسة أنشطة متنوعة. وتقييم مدى جودتها وملائمتها للجمهور، فلابد من الاهتمام بدورات المياه العامة في كل مكان من أرض مصر. وفي الوقت نفسه، أدعو كل محافظ وكل رئيس مدينة وكل رئيس حى إلى القيام بزيارة خاطفة للحمامات العامة الموجودة فى المكان الذى يديره، وأتمنى أن يتطور الأمر بزيارة لمجموعة من الوزراء المختصين بالسياحة والبيئة والحكم المحلي إلى أي دورة مياه عامة موجودة فى أي شارع أو ميدان أو في أي منطقة سياحية.

وفي الختام، من الأهمية بمكان السعي إلى انتشار دورات المياه العامة في كل مكان ويكون لها خارطة واضحة وتطبيق سهل للوصول إليها. فكل ذلك يصب في عودة مصر لرونقها وجمالها بإزالة كل المظاهر السلبية، والدعوة مفتوحة أمام رجال الأعمال والمستثمرين للاستثمار في هذا المجال المهم صحياً وبيئياً وسياحياً، للجميع مواطنين وزائرين، في ظل توافر الإمكانيات المحلية، وكذلك التجارب الدولية، التي يمكن الاستفادة منها في هذا الأمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Ad
Ad